الرأي والهوى
وقال بعض الفلاسفة اليونانيين : فضل ما بين الرّأى والهوى أنّ الهوى يخصّ والرأي يعمّ ، وأن الهوى في حيز العاجل ، والرأي في حيز الآجل ، والرأي يبقى على طول الزمان ، والهوى سريع الدثور « 1 » والاضمحلال ، والهوى في حير الحس ، والرأي في حيّز العقل .
وقال بعض الحكماء : من انقاد لهواه عرضته الشهوات .
وقال آخر : من جرى مع هواه طلقا « 2 » ، جعل عليه للذل طرقا .
وقال ابن دريد : أوصى بعض الحكماء رجلا فقال : آمرك بمجاهدة هواك ؛ فإنه يقال : إنّ الهوى مفتاح السيئات ، وخصيم الحسنات ، وكلّ أهوائك لك عدو ، وأعداهما هوى يكتمك نفسه ، وأعدى منه هوى يمثّل لك الإثم في صورة التقوى ، ولن تفصل بين هذه الخصوم إذا تناظرت لديك إلا بحزم لا يشوبه وهن « 3 » ، وصدق لا يطمع فيه تكذيب ، ومضاء لا يقاربه التثبيط ، وصبر لا يغتاله الجزع ، وهمة لا يتقسّمها التضييع وقال أبو العتاهية :
لا تأمن الموت في طرف وفى نفس
ولو تمنّعت بالحجّاب والحرس
فما تزال سهام الموت نافذة
في جنب مدّرع منا ومتّرس « 4 »
ما بال دينك ترضى أن تدنّسه
وثوبك الدهر مغسول من الدّنس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إنّ السفينة لا تجرى على يبس
[ من البد بدائه في مجالس الخلفاء ]
خرج شبيب بن شيبة من دار المهدى ، فقيل له : كيف رأيت الناس ؟ قال :
هامش
« 1 » الدثور : الهلاك ( م )
« 2 » طلقا - بفتح الطاء واللام ساكنة أو مفتوحة - شوطا ( م )
« 3 » الوهن - بالتحريك - الضعف ( م )
« 4 » المدرع : لابس الدرع ، وأصله متدرع ، والمترس : لابس الترس ( م )