تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 868

مساهمون:

ص٨٦٨
ومصرّفها ، وقائدها وسائقها ، وبإرادته تنبعث ، وفى طاعته تتقلَّب ؛ ووزيره العقل ، وعاضده الفهم ، ورائده العينان ، وطليعته الأذنان . [ وهما في النقل سواء ، لا يكتمانه أمرا ، ولا يطويان دونه سرّا ، يريد العين والأذن ] . وقيل لأفلاطون : أيهما أشدّ ضررا بالقلب السمع أم البصر ؟ فقال : هما للقلب كالجناحين للطائر ، لا يستقلّ إلا بهما ، ولا ينهض إلا بقوتهما ، وربما قص أحدهما فنهض بالآخر على تعب ومشقة . قيل : فما بال الأعمى يعشق ولا يرى ، والأصم يعشق ولا يسمع ؟ قال : لذلك قلت : إن الطائر قد ينهض بأحد جناحيه ولا يستقلّ بهما طيرانا ، فإذا اجتمعا كان ذهابه أمضى ، و [ طيرانه ] أوحى « 1 » . وقال الأسود بن طالوت الجارودى : نظر إلىّ أبو الغمر الصوفي وقد أطلت النظر إلى غلام جميل ، فقال : ويحك ! إنّ طرفك لعظيم ما اجتنى من البلاء قد عرّضك للمكروه وطول العناء ، لقد نظرت إلى حتف قاتل للقلوب ، وبلاء مظهر للعيوب ، وعار فاضح للنفوس ، ومكروه مذهل للعقول ، أكل هذا الاغترار باللَّه جرأك عليه حتى أمنت مكره ، ولم تخف كيده ؛ أعلم أنك لم تكن في وقت من أوقاتك ، ولا حالة من حالاتك ، أقرب إلى عقوبة اللَّه منك في حالتك هذه ، ولو أخذك لم يتخلَّصك الثقلان ، ولم يقبل فيك شفاعة إنس ولا جان . ونظر محمد بن ضوء الصوفي إلى رجل ينظر إلى غلام مليح ، فقال : كفى بالعبد نقصا عند اللَّه ، وضعة عند ذوى العقول ، أن ينظر إلى كل ما سنح له من البلاء . ونظر [ أبو ] مسلم الخشوعي فأطال النظر ، فقال : إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب . ثم قال : سبحان اللَّه ! ما أهجم طرفي على مكروه نفسه ، وأدمنه على تسخّط سيده ،
هامش
« 1 » أوحى : أسرع
زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 868 | زكي مبارك / إبراهيم بن علي الحصري القيرواني / محمد محي الدين عبد الحميد