تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 806

مساهمون:

ص٨٠٦

وفى انتصاف الليل وتناهيه ، وانتشار النور ، وأفول النجوم

قد اكتمل الظلام . قد انتصفنا عمر الليل ، واستغرقنا شبابه . قد شاب رأس الليل ، كاد ينمّ النسيم بالسّحر . قد انكشف غطاء الليل . انهتك « 1 » ستر الدّجى ، وشمطت ذوائبه ، وتقوّس ظهره ، وتهدّم عمره . قوّضت خيام الليل ، وخلع الأفق ثوب الدّجى . أعرض الظلام وتولى ، [ وتدلَّى ] عنقود الثريا طرز قميص الليل بغرّة الصبح ، وباح الصبح بسرّه . خلع الليل ثيابه ، وحدر الصبح نقابه . لاحت تباشير الصبح ، وافترّ الفجر عن نواجذه ، وضرب النور في الدّجى بعموده . بثّ الصبح طلائعه . تبرقع الليل بغرّة الصبح . أطار بازى الصبح غراب الليل « 2 » ، وعزلت نوافج الليل « 3 » بجامات الكافور ، وانهزم جند الظلام عن عسكر النور . خلعنا خلعة الظَّلام ، ولبسنا رداء الصباح ، وملأ الآذان برق الصباح ، وسطع الضوء ، وطلع النور ، وأشرقت الدنيا ، وأضاءت الآفاق . مالت الجوزاء للغروب ، وولت مواكب الكواكب ، وتناثرت عقود النجوم ، وفرّت أسراب النجوم من حدق الأنام ، وهى نطاق الجوزاء ، وانطفأ قنديل الثريا . قال بعض الأعراب : خرجنا في ليلة حندس قد ألقت على الأرض أكارعها ، فمحت صورة الأبدان ، فما كنّا نتعارف إلا بالآذان . قال ابن محكان السعدي :
وليل يقول الناس في ظلماته سواء صحيحات العيون وعورها كأن لنا منه بيوتا حصينة مسوحا أعاليها وساجا ستورها « 4 »
وهدا بارع جدّا . أراد أنّ أعلاه أشدّ ظلاما من جوانبه . وقال أعرابي في صفته : خرجت حين انحدرت النجوم ، وشالت أرجلها ،
هامش
« 1 » في إحدى المطبوعات « ستر الدجى هرم الليل » وليس بشئ ( م ) . « 2 » في نسخة « أطار منادى الصبح غراب الليل » وليست بذاك ( م ) . « 3 » في نسخة « نوافج المسك » ( م ) . « 4 » المسوح : جمع مسح - بالكسر - وهو ثوب من شعر أسود يشبه ثوب الرهبان ، والساج : خشب شجر ينبت بالهند ، ولونه أسود ، وفى نسخة « وساجا كسورها » ( م ) .