لثام ، لا تميطه الأعلام . قلت : فما الطعمة ؟ قال : أجوب جيوب البلاد ، حتى أقع على جفنة جواد ، ولى فؤاد يخدمه لسان ، وبيان يرقمه بنان ، وقصاراي كريم ينفض إلىّ حقيبته ، ويخفّف لي جنيبته ، كابن حرّة طلع إلىّ بالأمس ، طلوع الشمس « 1 » ، وغرب عنى بغروبها ؛ لكنه غاب ولم يغب تذكاره ، وودّع وشيّعتنى آثاره ، ولا ينبئك عنها أقرب منها ، وأومأ إلى ما كان يلبسه ، فقلت : شحاذ وربّ الكعبة أخاذ ، له في الصّنعة نفاذ ، بل هو فيها أستاذ ، ولا بد أن ترشح له وتسحّ عليه ، وقلت له : يا فتى ، قد أجليت عبارتك ، فأين شعرك من كلامك ؟ فقال : وأين كلامي من شعري ! ثم استمدّ غريزته ، ورفع عقيرته ، بصوت ملأ الوادي ، وأنشأ يقول :
وأروع أهداه لي الليل والفلا
وخمس تمسّ الأرض لكن كلا ولا « 2 »
عرضت على نار المكارم عوده
فكان معمّا في السوابق مخولا
وخادعته عن ماله فخدعته
وساهلته في برّه فتسهّلا
ولما تجالينا وأحمد منطقي
بلانى في نظم القريض بمابلا « 3 »
فما هزّ إلا صارما حين هزّنى
ولم يلقني إلا إلى السّبق أوّلا
فلم أره إلا أغرّ محجّبا
وما تحته إلا أغرّ محجّلا
فقلت : على رسلك يا فتى ، ولك مما يصحبنى حكمك . فقال : الجنيبة ، قلت : إنّ « 4 » وما عليها . ثم قبضت بجمعى عليه ، وقلت : لا واللَّه الذي ألهمها لمسا ، وشقّها من واحدة خمسا ، لا تزايلنا أو نعلم علمك ، فحدر لثامه عن وجهه ، فإذا واللَّه شيخنا أبو الفتح الإسكندرى ، فما لبثت أن قلت :
توشّحت أبا الفتح
بهذا السيف مختالا
هامش
« 1 » طلوع الشمس ، هنا : منتصب على الظرفية ، وليس مفعولا مطلقا ، ويدل له ما ذكره بعده ( م )
« 2 » كلا ولا : يريد في غاية السرعة كسرعة النطق بلفظ لا ( م )
« 3 » بلانى : اختبرنى ( م )
« 4 » أن ، هنا : بمعنى نعم .