تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
يوغر صدر الصديق ، وينفّر الرفيق . والمزاح يبدي السرائر ؛ لأنه يظهر المعاير . والمزاح يسقط المروءة ، ويبدى الخنى . لم يجرّ المزح خيرا ، وكثيرا ما جرّ شرّا . الغالب بالمزاح واتر ، والمغلوب به ثائر . والمزاح يجلب الشتم صغيره والحرب كبيره ، وليس بعد الحرب إلا عفو بعد قدرة . فقال الحجاج : حسبك ، الموت خير من عفو معه قدرة . وذكر المزاح بحضرة خالد بن صفوان فقال : ينشق أحدكم أخاه مثل الخردل ، ويفرغ عليه مثل المرجل ، ويرميه بمثل الجندل . ثم يقول : إنما كنت أمزح ! أخذ هذا المعنى محمود بن الحسين الوراق فقال :
تلقى الفتى يلقى أخاه وخدنه في لحن منطقه بما لا يغفر ويقول : كنت ممازحا وملاعبا هيهات نارك في الحشى تتسعّر ! أو ما علمت وكان جهلك غالبا أنّ المزاح هو السّباب الأصغر

فقر في هذا النحو لأهل العصر وغيرهم

المزاحة تذهب بالمهابة ، وتورث الضغينة . الإفراط في المزاح محون ، والاقتصاد فيه ظرف ، والتقصير عنه ندامة . أوكد أسباب القطيعة المراء والمزاح . ابن المعتز - من كثر مزاحه لم يخل من استخفاف به أو حقد عليه . قال أيوب بن القرّيّة : الناس ثلاثة : عاقل ، وأحمق ، وفاجر ؛ فالعاقل الدّين شريعته ، والحلم طبيعته ، والرأي الحسن سجيّته ؛ إن سئل أجاب ، وإن نطق أصاب ، وإن سمع العلم وعى ، وإن حدّث روى . وأما الأحمق فإن تكلَّم عجل ، وإن حدّث وهل « 1 » ، وإن استنزل عن رأيه نزل ، فإن حمل على القبيح حمل . وأمّا الفاجر فإن ائتمنته خانك ، وإن حدّثته شانك ، وإن وثقت به لم يرعك ، وإن استكتم لم يكتم ، وإن علم لم يعلم ، وإن حدّث لم يفهم ، وإن فقّه لم يفقه .
هامش
« 1 » وهل : غلط ونسي ( م ) .
زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 522 | زكي مبارك / إبراهيم بن علي الحصري القيرواني / محمد محي الدين عبد الحميد