يوغر صدر الصديق ، وينفّر الرفيق . والمزاح يبدي السرائر ؛ لأنه يظهر المعاير .
والمزاح يسقط المروءة ، ويبدى الخنى . لم يجرّ المزح خيرا ، وكثيرا ما جرّ شرّا .
الغالب بالمزاح واتر ، والمغلوب به ثائر . والمزاح يجلب الشتم صغيره والحرب كبيره ، وليس بعد الحرب إلا عفو بعد قدرة .
فقال الحجاج : حسبك ، الموت خير من عفو معه قدرة .
وذكر المزاح بحضرة خالد بن صفوان فقال : ينشق أحدكم أخاه مثل الخردل ، ويفرغ عليه مثل المرجل ، ويرميه بمثل الجندل . ثم يقول : إنما كنت أمزح ! أخذ هذا المعنى محمود بن الحسين الوراق فقال :
تلقى الفتى يلقى أخاه وخدنه
في لحن منطقه بما لا يغفر
ويقول : كنت ممازحا وملاعبا
هيهات نارك في الحشى تتسعّر !
أو ما علمت وكان جهلك غالبا
أنّ المزاح هو السّباب الأصغر
فقر في هذا النحو لأهل العصر وغيرهم
المزاحة تذهب بالمهابة ، وتورث الضغينة . الإفراط في المزاح محون ، والاقتصاد فيه ظرف ، والتقصير عنه ندامة . أوكد أسباب القطيعة المراء والمزاح .
ابن المعتز - من كثر مزاحه لم يخل من استخفاف به أو حقد عليه .
قال أيوب بن القرّيّة : الناس ثلاثة : عاقل ، وأحمق ، وفاجر ؛ فالعاقل الدّين شريعته ، والحلم طبيعته ، والرأي الحسن سجيّته ؛ إن سئل أجاب ، وإن نطق أصاب ، وإن سمع العلم وعى ، وإن حدّث روى . وأما الأحمق فإن تكلَّم عجل ، وإن حدّث وهل « 1 » ، وإن استنزل عن رأيه نزل ، فإن حمل على القبيح حمل . وأمّا الفاجر فإن ائتمنته خانك ، وإن حدّثته شانك ، وإن وثقت به لم يرعك ، وإن استكتم لم يكتم ، وإن علم لم يعلم ، وإن حدّث لم يفهم ، وإن فقّه لم يفقه .
هامش
« 1 » وهل : غلط ونسي ( م ) .