تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
فتبسّم الأعرابي وقال : يا أصمعى ، ما هذا بدون الأول ، ولا فوقه ، ألا أنشدتنى كما قلت ؟ قال الأصمعي : وما قلت ؟ جعلت فداك ! فأنشده :
تعلَّقتها بكرا ، وعلَّقت حبّها فقلبي عن كلّ الورى فارغ بكر إذا احتجبت لم يكفك البدر ضوءها وتكفيك ضوء البدر إن حجب البدر وما الصبر عنها ، إن صبرت ، وجدته جميلا ، وهل في مثلها يحسن الصّبر ؟ [ وحسبك من خمر يفوتك ريقها وواللَّه ما من ريقها حسبك الخمر ] ولو أنّ جلد الذّر لامس جلدها لكان لمسّ الذّر في جلدها أثر ولو لم يكن للبدر ضدّا جمالها وتفضله في حسنها لصفا البدر
قال أبو نصر : قال لنا الأصمعي : اكتبوا ما سمعتم ولو بأطراف المدى في رقاق الأكباد ! . قال : وأقام عندنا شهرا ، فجمع له الأصمعىّ خمسمائة دينار ، وكان يتعاهدنا في الحين بعد الحين ، حتى مات الأصمعي وتفرّق أصحابنا !

فقر من كلام الأعراب في ضروب مختلفة

قال الجاحظ : ليس في الأرض كلام هو أمتع ، ولا أنفع ، ولا آنق ، ولا ألذ في الأسماع ، ولا أشدّ اتّصالا بالعقول السليمة ، ولا أفتق للَّسان ، ولا أجود تقويما البيان ، من طول استماع حديث الأعراب العقلاء الفصحاء . قال ابن المقفع ، وقد جرى ذكر الشعر وفضيلته : أي حكمة تكون أبلغ ، أو أحسن ، أو أغرب ، أو أعجب ، من غلام بدوىّ لم ير ريفا ، ولم يشبع من طعام ؛ يستوحش من الكلام ، ويفزع من البشر ، ويأوى إلى القفر واليرابيع والظَّباء ، وقد خالط الغيلان ، وأنس بالجان ؛ فإذا قال الشعر وصف ما لم يره ،