وذكر أعرابىّ مصيبة نالته ، فقال : إنها واللَّه مصيبة جعلت سود الرؤس بيضا ، وبيض الوجوه سودا ، وهوّنت المصائب ، وشيّبت الذوائب .
وهذا كقول عبد اللَّه بن الزّبير الأسدي :
رمى الحدثان نسوة آل حرب
بمقدار سمدن له سمودا « 1 »
فردّ شعورهنّ السّود بيضا
وردّ وجوههنّ البيض سودا
وإنك لو رأيت بكاء هند
ورملة إذ تصكاَّن الخدودا
بكيت بكاء معولة حزين
أصاب الدهر واحدها الفقيدا « 2 »
ونظير هذا التطابق بين السواد والبياض ، وإن لم يكن من هذا المعنى ، قول ابن الرومي :
يا بياض المشيب سوّدت وجهي
عند بيض الوجوه سود القرون
فلعمري لأخفينّك جهدي
عن عيانى وعن عيان العيون
ولعمرى لأمنعنّك أن تضح
ك في رأس آسف محزون
بسواد فيه ابيضاض لوجهى
وسواد لوجهك الملعون
سأل أعرابيان رجلا ، فحرمهما ، فقال أحدهما لصاحبه : نزلت واللَّه بواد غير ممطور ، وأتيت رجلا بك غير مسرور ، فلم تدرك ما سألت ، ولا نلت ما أمّلت ؛ فارتحل بندم ، أو أقم على عدم .
قال الأصمعي : وسمعت أعرابيا يقول : غفلنا ولم يغفل الدهر عنا ، فلم نتّعظ بغيرنا حتى وعظ غيرنا بنا ، فقد أدركت السعادة من تنبّه ، وأدركت الشقاوة من غفل ، وكفى بالتجربة واعظا وقال أعرابي لرجل : اشكر للمنعم عليك ، وأنعم على الشاكر لك ، تستوجب من ربك زيادته ، ومن أخيك مناصحته .
هامش
« 1 » سمدن له : تلوت له رؤوسهن - وسمد : قام متحيرا ( م ) .
« 2 » رواية الحماسة « رأيت بكاء معولة حزين » ( م )