تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
روي : أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان بعد نزول هذه الآيات يكرم ابن مكتوم ، ويقول إذا رآه : مرحبا بمن عاتبني فيه ربّي . ويقول له : هل لك من حاجة ؟ واستخلفه على المدينة مرّتين . وقال أنس : رأيته يوم القادسيّة - وهو يوم فتح المدائن بعد وفاة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - وعليه درع ، وله راية سوداء . وروي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال : « كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إذا رأى عبد اللَّه بن أمّ مكتوم قال : مرحبا مرحبا لا واللَّه لا يعاتبني اللَّه فيك أبدا » . وروي : أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ما عبس بعدها في وجه فقير قطَّ ، ولا تصدّى لغنيّ . ولقد تأدّب الناس بأدب اللَّه ورسوله في هذا تأدّبا حسنا ، فقد روي عن سفيان الثوري : أنّ الفقراء كانوا في مجلسه أمراء . واعلم أنّ علم الهدى قدّس اللَّه روحه أنكر أن يكون المعاتب في هذه الآيات هو النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . وقال في تنزيه الأنبياء : « ليس في ظاهر الآية دلالة على توجّهها إلى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، بل هو خبر محض لم يصرّح بالمخبر عنه . وفيها ما يدلّ على أن المعنيّ بها غيره ، لأنّ العبوس ليس من صفات النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم مع الأعداء المباينين ، فضلا عن المؤمنين المسترشدين . ثمّ الوصف بأنّه يتصدّى للأغنياء ويتلهّى عن الفقراء لا يشبه أخلاقه الكريمة . ويؤيّد هذا القول قوله سبحانه في وصفه عليه السّلام : * ( وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) * « 1 » . وقوله : * ( ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) * « 2 » . فالظاهر أنّ قوله : « عبس وتولَّى » المراد به غيره . وقد روي عن الصادق عليه السّلام أنّها نزلت في رجل من بني أميّة كان عند النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فجاء ابن أمّ مكتوم ، فلمّا رآه تقذّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه ، فحكى اللَّه سبحانه ذلك وأنكره عليه .
هامش
( 1 ) القلم : 4 . ( 2 ) آل عمران : 159 .