تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
وقيل : هذا إخبار عن صلح الحديبية . وإنّما سمّاه فتحا ، لأنّه كان بعد ظهوره على المشركين حتّى سألوا الصلح ، وتسبّب لفتح مكّة ، وأدخل في الإسلام خلقا عظيما . وظهر له في الحديبية آية عظيمة ، وهي أنّه نزح ماؤها حتّى لم يبق فيها قطرة . فتمضمض رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ثمّ مجّه فيها ، فدرّت بالماء حتّى شرب جميع من كان معه . وقيل : فجاش الماء حتّى امتلأت ، ولم ينفد ماؤها بعد . وعن عروة - وقد ذكر خروج النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عام الحديبية - قال : وخرجت قريش من مكّة ، فسبقوه إلى بلدح « 1 » وإلى الماء ، فنزلوا عليه . فلمّا رأى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قد سبق نزل على الحديبية ، وذلك في حرّ شديد ليس فيها إلَّا بئر واحدة ، فأشفق القوم من الظمأ ، والقوم كثير ، فنزل فيها رجال يمتحنوها . ودعا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بدلو من ماء ، فتوضّأ من الدلو ، ومضمض فاه ثمّ مجّ فيه ، وأمر أن يصبّ في البئر . ونزع سهما من كنانته وألقاه في البئر ، فدعا اللَّه تعالى ففارت بالماء ، حتّى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شفتها . وروى سالم بن أبي الجعد قال : قلت لجابر : كم كنتم يوم الشجرة ؟ قال : كنّا ألفا وخمسمائة . وذكر عطشا أصابهم . قال : فأتي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بماء في تور « 2 » ، فوضع يده فيه ، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنّه العيون ، فشربنا ووسعنا وكفانا . وعن موسى بن عقبة : أقبل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من الحديبية راجعا ، فقال رجل من أصحابه : « ما هذا بفتح ، لقد صدّونا عن البيت ، وصدّ هدينا . فبلغ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقال : « بئس الكلام هذا ، بل هو أعظم الفتوح ، وقد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح « 3 » ، ويسألوكم القضيّة - أي : رجوعكم عنهم - ويرغبوا إليكم في الأمان ، وقد رأوا منكم ما كرهوا » .
هامش
( 1 ) بلدح : واد قبل مكّة من جهة المغرب . ( 2 ) التّور : إناء يشرب فيه . ( 3 ) الراح : الخمر . والراح جمع راحة ، وهي : الكفّ . والراح : الارتياح والنشاط . ولعلّ الظاهر هنا المعنى الثالث .