تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
ولمّا تقدّم ذكر عباد اللَّه المنيبين إليه ، وصله سبحانه بذكر داود وسليمان ، فإنّهما لإنابتهما إلى اللَّه سبحانه فضّلهما على العالمين بالنبوّة والملك ، وأعطاهما ما أعطاهما من الأمور الدينيّة والسياسة الدنيويّة ، فقال : * ( وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا ) * أي : على سائر الأنبياء بما ذكر بعد . أو على سائر الناس ، فيندرج فيه النبوّة ، والحكومة ، والكتاب ، والملك ، والصوت الحسن ، وفصل الخطاب ، وغير ذلك من معجزاته . * ( يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَه ) * رجّعي معه التسبيح . من : آب إذا رجع . وذلك بأنّ اللَّه يخلق فيها تسبيحا ، كما خلق الكلام في الشجرة ، فيسمع منها ما يسمع من المسبّح ، معجزة لداود . وقيل : كان ينوح على ترك ندبه بترجيع وتحزين . وكانت الجبال تسعده على نوحه بأصدائها « 1 » . وقيل : معناه : سيري معه حيث سار . وهو بدل من « فضلا » أو من « آتينا » بإضمار : قولنا ، أو قلنا . * ( وَالطَّيْرَ ) * عطف على محلّ الجبال . ويؤيّده قراءة يعقوب بالرفع عطفا على لفظها ، تشبيها للحركة البنائيّة العارضة بحركة الإعراب . أو على « فضلا » بمعنى : وسخّرنا له الطَّير . ويجوز أن يكون مفعولا معه ل « أوّبي » . وكان أصل النظم : ولقد آتينا داود منّا فضلا ، تأويب الجبال والطير . فبدّل بهذا النظم . وكم فرق بين النظمين ، من الفخامة الَّتي لا يخفى ، من الدلالة على عزّة الربوبيّة وكبرياء الإلهيّة ، حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الَّذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا ، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا ، إشعارا بأنّه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت ، إلَّا وهو منقاد لمشيئته ، غير ممتنع على إرادته ، بخلاف الأخير .
هامش
( 1 ) الأصداء جمع الصدى ، وهو ما يردّه الجبل أو غيره إلى المصوّت مثل صوته .