تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
حجّة للأشاعرة ، على أنّ الحوادث كلَّها بإرادة اللَّه تعالى ، وأنّ الأمر قد ينفكّ عن الإرادة ، بأن أمر كلّ المكلَّفين بالإيمان والطاعة ، وأراد من بعضهم الإيمان دون بعض ، فيوجد ما أراد . * ( قالَ إِنَّه يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ ولا تَسْقِي الْحَرْثَ ) * أي : لم تذلَّل للكراب الَّذي هو شقّ الأرض لأجل حرث البذر ، ولا لسقي الحروث . و « لا ذلول » صفة لبقرة ، بمعنى غير ذلول . و « لا » الثانية مزيدة لتأكيد الأوّل . والفعلان صفتا ذلول ، كأنّه قيل : لا ذلول مثيرة وساقية . * ( مُسَلَّمَةٌ ) * سلَّمها اللَّه تعالى من العيوب ، أو سلَّم أهلها من العمل ، أو أخلص لونها ، من : سلم كذا إذا خلص له . * ( لا شِيَةَ فِيها ) * لا لون فيها يخالف جلدها . وهي في الأصل مصدر : وشاه وشيا وشية ، إذا خلط بلونه لونا آخر ، ومنه ثور موشي القوائم ، أي : هي صفراء كلَّها حتى قرنها وظلفها . * ( قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ) * أي : بحقيقة وصف البقرة ، وحقّقتها لنا بالأوصاف المبيّنة الموضحة ، بحيث ارتفع التشابه ، فحصّلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلَّها . وقوله : * ( فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ ) * استثقال لاستقصائهم واستبطائهم ، وأنّهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم كادت تنتهي سؤالاتهم ، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمّقهم ليذبحوا البقرة ، أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل ، أو لغلاء ثمنها ، إذ روي أنّ شيخا صالحا منهم كان له عجلة ، فأتى بها الغيضة « 1 » وقال : اللَّهمّ إنّي أستودعكها لابني حتى يكبر ، فشبّت وكانت وحيدة بتلك الصفات ، فساوموها اليتيم وأمّه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبا ، وكانت البقرة في ذلك الوقت بثلاثة دنانير ، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة .
هامش
( 1 ) الغيضة : الأجمة ، وهي مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر . ( لسان العرب 7 : 202 ) .