تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
رَبَّكُمُ ) * . « يا » حرف وضع لنداء البعيد ، وأمّا نداء القريب فوضع له « أي » و « الهمزة » ، ثم استعمل « يا » في مناداة من سها وغفل وإن قرب ، تنزيلا له منزلة من بعد ، فإذا نودي به القريب المفاطن فذلك للتأكيد المؤذن بأنّ الخطاب الَّذي يتلوه معنيّ به جدّا . وقد ينادى به القريب تنزيلا له منزلة البعيد ، لجلال عظمة المنادي ونهاية حقارة المنادي ، كقول الداعي : يا اللَّه يا ربّ ، وهو أقرب إليه من حبل الوريد . وهو مع المنادي جملة مفيدة ، لأنّه نائب مناب الفعل . و « أيّ » اسم مبهم جعل وصلة إلى نداء المعرّف باللام ، فإنّ إدخال « يا » عليه متعذّر ، لتعذّر الجمع بين حرفي التعريف . وأعطي حكم المنادي ، وأجري عليه المقصود بالنداء وصفا موضحا ليزيل إبهامه . والتزم رفعه إشعارا بأنّه المقصود . وأقحمت هاء التنبيه بين الصفة وموصوفها تأكيدا ، وتعويضا عمّا يستحقّه « أيّ » من المضاف إليه ، فإنّه لازم الإضافة . وقد كثر في كتاب اللَّه النداء على هذه الطريقة ، لاستقلاله بأبلغ تأكيد ، وهو التدرّج من الإبهام إلى التوضيح . والإتيان بكلمة التنبيه المقحمة بين « أيّ » وصفته لتعاضد حرف النداء بتأكيد معناه . وكلّ ما نادى اللَّه تعالى له عباده - من حيث إنّها أمور عظام ، من الأمر والنهي والوعد والوعيد وغير ذلك ، من حقّها أن يتفطَّنوا إليها ويقبلوا بقلوبهم عليها ، وأكثرهم عنها غافلون - حقيق بأن ينادى له بالآكد الأبلغ . والجموع وأسماؤها المحلَّاة للعموم حيث لا عهد . ويدلّ عليه صحّة الاستثناء منها ، والتوكيد بما يفيد العموم ، كقوله تعالى : * ( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) * « 1 » . فالناس يعمّ الموجودين وقت النزول لفظا ومن سيوجد ، لما تواتر من دينه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم أنّ مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبيلين ، ثابت إلى قيام الساعة معنى ، إلَّا ما خصّه الدليل .
هامش
( 1 ) الحجر : 30 .
زبدة التفاسير — صفحة 80 | الملا فتح الله الكاشاني / مؤسسة المعارف الإسلامية