ولامرية أننا وجدنا أضواء الحق والعدالة في التاريخ الانساني ، وأننا نقدرها حق
قدرها ، ولكن الجزء الأكبر من التاريخ يفيض بقصص الظلم والفساد والعدوان . ان المؤرخ
ليصاب بيأس بالغ عندما يرى أن أحداث التاريخ تتعارض تماما مع الضمير الانساني .
ولنقتبس هنا بعض الأقوال :
فولتير : ان التاريخ الانساني ليس إلا صورة للجرائم والمصائب ( 1 ) .
هربرت سبنسر : ان التاريخ تهريج ، وكلام فارغ لا جدوى منه .
نابليون : ان التاريخ بأكمله عنوان لقصة لا تعني شيئا .
ادوارد جين : ان تاريخ الانسان لا يعدو أن يكون سجلا للجرائم ، والحماقة ، وخيبة
الأمل .
هيكل : ان الدرس الوحيد الذي تعلمته الحكومة والشعب من مطالعة التاريخ هو أنهم لم
يتعلموا من التاريخ شيئا ( 2 ) .
هل قامت مسرحية العالم كلها لتنتهي إلى كارثة أليمة ؟ ان فطرتنا تقول : لا . . فدواعي
العدالة والانصاف في الضمير الانساني تقتضي عدم حدوث هذا الامكان ، لا بد من يوم يميز
بين الحق والباطل ، ولابد للظالم والمظلوم أن يجنيا ثمارهما ، وهذا مطلب لا يمكن
اقصاؤه من مقومات التاريخ ، كما لا يمكن ابعاده عن فطرة الانسان .
ان هذا الفراغ الشاسع الذي يفصل ما بين الواقع والفطرة يقتضي ما يشغله ، فان المسافة
الهائلة بين ( ما يحدث ) و ( ما ينبغي أن يحدث ) تدل على أن مسرحا آخر قد أعد للحياة ، وأنه
لا بد من ظهوره . فهذا الفراغ العظيم يدعو إلى تكميل الحياة . واني لأتخير عندما يؤمن
الناس بفلسفة الروائي الإنجليزي هاردي القائلة : بأن العالم مكان للظلم والوحشية ،
ولكنني أصاب بحيرة أكبر عندما أرى أن هذه الحالة البالغة السوء لا تقودهم إلى
الايمان بأن : ما ليس بموجود اليوم ويقتضيه العقل ، لا بد من حدوثه غدا .
إذا لم تكن هنالك قيامة فمن ذا الذي سوف يكسر رؤوس الطواغيت الطغاة ؟ ؟ كلمة كثيرا
ما تخرج من شفتي مصحوبة بأنين مرير ، عندما أطالع الجرائد ، فجرائدنا صورة مصغرة
لما يحدث كل يوم على الأرض ، والصورة التي تحملها الجرائد الينا رهيبة . . انها تتكلم
عن الاغتيالات ، والخطف ، والنهب ، والاتهامات الكاذبة ، والتجارة السياسية ، والدعايات
الباطلة التي تتلعب بالألفاظ . ان هذه الجرائد تخبرنا كيف نكل الحاكم الفلاني
بمعارضيه الضعفاء ، باسم مصالح الأمة ، ودواعي الامن القومي ؟ ! وكيف سيطر ذلك الشعب
هامش
( 1 ) Story of Philosophy , Will Durant , p . 220 .
( 2 ) Western Civilisation , E . Menall Burns , p . 871 .