نسميها الزلازل انها لا تزال كلمة رهيبة في حياة الانسان المعاصر ، رغم تقدم العلوم
والتكنولوجيا ، كما كانت رهيبة في حياة الانسان القديم . هذه الزلازل هي حملة الطبيعة
ضد الانسان ، الذي لا يملك إزاءها شيئا ، فالخيار كله في يد الفريق الأول . ان الانسان
لا يملك شيئا يقاوم به الزلازل ، فهي نذير يذكره دائما بأنه يعيش فوق مادة حمراء
ملتهبة جهنمية ، لا يفصله عنها سوى قشرة جبلية رقيقة ، لا يزيد سمكها عن خمسين كيلو
مترا ، وهذه القشرة ليست ، بالنسبة إلى الكرة الأرضية ، الا بمثابة القشرة من ثمرة
التفاح .
يقول عالم الجغرافيا ( جورج جاموف ) : ان هناك جهنم طبيعية تلتهب تحت بحارنا الزرقاء ،
ومدننا الحضارية المكتظة بالسكان ، وبكلمة أخرى : نحن واقفون على ظهر لغم ديناميت
عظيم ، ومن الممكن ان ينفجر في أي وقت ، ليدمر النظام الأرضي بأكمله ( 1 ) .
وهذه الزلازل تجتاح جميع نواحي الأرض ، ولا تخلو الجرائد أي صباح من أخبارها ، ولكن
يكثر وقوعها في الأماكن التي توجد بها البراكين لاعتبارات جغرافية . وأقدم زلزال
رهيب سجله التاريخ هو زلزال إقليم ( شنسي ) الصيني ، الذي وقع عام 1556 م . ولقي أكثر من
000000 ، 8 نسمة مصرعهم في هذه الكارثة . وقد وقع زلزال في لشبونة عاصمة البرتغال
عام 1755 م ، فدمر المدينة كلها ، وأباد ثلاثين ألفا من الناس في ست دقائق . وقد قيل : إن
هذا الزلزال هز ربع أوروبا . ومن هذا النوع من الزلازل ما وقع في ولاية ( آسام )
الهندية عام 1897 م ، وهو يعد من الزلازل الخمسة الكبرى في التاريخ ، فقد أحدث دمارا
وخرابا عظيمين في منطقة كبيرة من شمالي الهند ، كما غير اتجاه النهر العملاق ( برهام
بوترا ) ، وطفرت هضبة ( ايفرست ) بجبال الهملايا ، فارتفعت مائة قدم ! .
ان هذه الزلازل ( قيامة ) على نطاق واسع . . . فعندما تنفجر الأرض بصوتها المخيف ، ودويها
الرهيب ، وعندما تتساقط الجدران ، وسقف الأبنية المسلحة الفخمة ، حتى كأنها أوراق
الكوتشينة ، وعندما يصبح أعلى الأرض أسفلها ، وأسفلها أعلاها ، وعندما تحل الخرائب
الموحشة محل المدن العامرة الكبرى في ثوان معدودة ، وعندما تسير طوابير النعوش ،
وتتراكم على ساحات المدن وطرقها تراكم الأسماك على ساحل البحر ؟ فتلكم هي قيامة
الزلزال .
وفي تلك اللحظة يشعر الانسان بعجزه أمام قوى الطبيعة ، فان الزلازل لا تقرع أبواب
المدن الا بغتة ، دون سابق آذن أو إنذار ، والبلية كل البلية في أن الانسان لا يستطيع
أن يتنبأ بمكان الزلازل ، ولا بموعد وقوعها ، وهي في نفسها تنبئ عن قيامة كبرى ، سوف
تفجؤونا غداة يوم على غرة منا ، ان هذه الزلازل دليل ناطق بأن خالق الأرض قادر على
تدميرها ، كما يشاء .
هامش
( 1 ) Biography of the Earth , p . 62 .