ذريعا ، وكلما بحثوا في هذا الموضوع ، رجع إليهم بحثهم برسالة جديدة عن حتمية الموت ،
وأنه لا مناص منه .
لماذا الموت ؟ . . هناك ما يقرب من مائتي إجابة عن هذا السؤال الخطير ، الذي كثيرا ما
يطرح في المجالس العلمية ، منها :
( فقدان الجسم لفاعليته ) ، ( انتهاء عملية الأجزاء التركيبية ) ، ( تجمد الأنسجة
العصبية ) ، ( حلول المواد الزلالية القليلة الحركة ، محل الكثيرة الحركة منها ) ، ( ضعف
الأنسجة الرابطة ) ، ( انتشار سموم بكتريا الأمعاء في الجسم ) . . وما إلى ذلك من
الإجابات التي تتردد كثيرا حول ظاهرة الموت .
ان القول بفقدان الجسم لفاعليته جذاب للعقل . . فان الآلات الحديدية والأحذية
والأقمشة كلها تفقد فاعليتها بعد أجل محدود ، فأجسامنا أيضا تبلى وتفقد فاعليتها
كالجلود التي نلبسها في موسم الشتاء . ولكن العلم الحديث لا يؤيدنا ، لأن المشاهدة
العلمية للجسم الانساني تؤكد : أنه ليس كالجلود الحيوانية ، والآلات الحديدية ، وليس
كالجبال . . وأن أقرب شئ يمكن تشبيهه به هو ذلك ( النهر ) الذي لا يزال يجري منذ آلاف
السنين على ظهر الأرض فمن ذا الذي يستطيع القول بأن النهر الجاري يبلى ويهن ويعجز ؟ !
بناء على هذا الأساس يعتقد الدكتور لنس بالنج ( 1 ) أن الانسان أبدى ، إلى حد كبير ،
نظريا ، فان خلايا جسمه آلات تقوم باصلاح ما فيه من الأمراض ومعالجتها تلقائيا ! وبرغم
ذلك فان الانسان يعجز ويموت ، ولا تزال علل هذه الظاهرة أسرارا تحير العلماء .
ان جسمنا هذا في تجدد دائم ، وان المواد الأزلية ، التي توجد في خلايا دمائنا ، تتلف
كذلك ثم تتجدد ، ومثلها جميع خلايا الجسم ، تموت وتحل مكانها خلايا جديدة ، اللهم الا
الخلايا العصبية . وتفيد البحوث العلمية أن دم الانسان يتجدد تجددا كليا خلال ما
يقرب من أربع سنين ، كما تتغير جميع ذرات الجسم الانساني في بضع سنين . ونخرج من هذا
بأن الجسم الانساني ليس كهيكل ، وأنما هو كالنهر الجاري ، أي أنه عمل مستمر .
ومن ثم تبطل جميع النظريات القائلة بأن علة الموت هي وهن الجسم وفقده لقوته ، فان
الأشياء التي فسدت أو تسممت من الجسم أيام الطفولة أو الشباب قد خرجت من الجسم منذ
زمن طويل ، ولا معنى لأن نجعلها سبب الموت ، فسبب الموت موجود في مكان آخر ، وليس في
الأمعاء والأنسجة البدنية والقلب .
هامش
( 1 ) وهو حائز على جائزة نوبل للعلوم .