ولكن هذه الكمية من النتروجين المركب لا تكفي ، لأن الحقول التي تزرع لمدة طويلة ،
ينفذ ما فيها منه . ولذلك نرى الزراع يحولون المواسم الزراعية من حقل لآخر ، بعد وقت
معلوم . وأعجب ما حدث في هذا القرن ؟ عندما ضاقت الأرض بما رحبت على سكانها ، وقل
النتروجين لكثرة الزراعة ، وخافت الانسانية من القحط والفاقة ؟ اكتشافنا في هذه
المرحلة الخطيرة طريقا ثالثة لاستمداد النتروجين من الهواء ، وكانت الجهود الأولى ،
التي بذلت في هذا الصدد ، أنهم جربوا عملية خلق رعد صنعي في الفضاء باستعمال آلات
قوتها 000000 ، 3 حصان ، غير أنهم لم ينجحوا الا في صناعة كمية ضئيلة من النتروجين
المركب . وتقدم الانسان بهذه التجارب ، حتى كشف الطريق الثالثة وهي استخدام الهواء
في صناعة النتروجين المركب ، في صورة ( السماد ) . . . وهكذا استطاع أن يهيئ لغذائه جزءه
الضروري ، الذي لولاه لهلك جوعا . وهذا حدث عجيب في تاريخ الأرض ، فان الانسان كشف
للمرة الأولى في تاريخه حلا لأزمة الغذاء ، وابتعدت أشباح الكارثة عن سكان الأرض ،
حين كان من المستحيل أن يتجنبوها ! ! .
* * *
ان هناك أمورا كثيرة تؤكد وجود الحكمة والروح في الكون ، وكل ما لدينا من علم يؤكد
لنا أن ما قد كشف أقل بكثير مما لم نستطع حتى الآن الكشف عنه ! وبرغم ذلك فان ما كشفه
الانسان كثير جدا ، حتى اننا لو أردنا فهرسة عناوين هذه العلوم ، فسنحتاج إلى سفر ضخم
جدا ، بالنسبة إلى هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ ، وسوف يبقى بعد ذلك أيضا الكثير
منها دون فهرسة . .
ان كل ما يمكن للسان الانساني أن يلفظه عن آلاء الله وآياته سوف يكون غاية في
النقص ، فمهما فصلناها وأسهبنا في تفسيرها ، فسنخرج آخر الأمر مقتنعين بأننا لم نحط
بها ، وانما تناولنا منها بعض الشيء .
والحق انه لو قدر أن تنكشف للانسان جميع العلوم الكونية ، ثم يجلس سكان المعمورة ،
وقد هيئت لكل فرد منهم جميع الوسائل ، في أكمل صورها ، فان هؤلاء جميعا لن يستطيعوا
تدوينها ابدا . . . أليس هذا هو مصداق قوله تعالى :
( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات
الله ) : وقوله تعالى : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد
كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) ( 1 ) ! ! .
هامش
( 1 ) لقمان / 27 .
( 2 ) والكهف 109 .