وسوف أستعرض هنا هذه الخاصة دليلا ثالثا من أدلتي على صدق القرآن الكريم ، ولقد أنزل
القرآن قبل عصر النهضة ، ولكن أحدا من الناس لم يستطع ابطال شئ مما جاء به ، ولو كان
هذا القرآن من كلام البشر ، لعد ذلك ضربا من ضروب الإحالة .
* * *
نزل القرآن في عصر لم يكن الانسان يعرف فيه عن الطبيعة الا القليل النادر ، وكانوا
يرون أن الأمطار تنزل من السماء ، وأن الأرض مستوية ، كالفراش ، وأن السماء سقف الأرض ،
وكانوا يرون أن النجوم مسامير لامعة من الفضة مركبة في قبة السماء ، أو أنها قناديل
معلقة في الفضاء ! وكان أهل الهند الأقدمون يؤمنون بأن الأرض محمولة على أحد قرني
البقرة الأم ، وهي حين تقوم بنقل الأرض من قرن إلى آخر يحدث زلزال على البسيطة ( 1 ) .
وكان العلماء يرون أن الشمس ساكنة بلا حراك ، وأن الأرض تدور حولها ، إلى أن جاء
( كوبرنيك ) ( 1473 / 1543 م ) ، وعرض فكرته الشهيرة عن حركة الشمس .
* * *
وهكذا تقدم العلم رويدا رويدا ، إلى أن زادت قوة المشاهدة والدراسة لدى الانسان ،
فكشف عن أسرار كثيرة . والآن لا نجد جزءا ما من معلوماتنا عن أجزاء الجسم ، وشعب العلم
المختلفة ، الا وقد تغيرت نظرتنا اليه كلية ، وثبت بطلان عقائد العصر القديم .
ويدل هذا بكل صراحة على أنه لا وجود لكلام انساني تدوم صحته كليا . . . لأن الانسان
يتكلم عما هو معروف من المعتقدات والعلوم في عصره ، انه سوف يسرد ما وجده في زمنه ،
سواء وقع كلامه في دائرة الشعور أو اللا شعور . ولذلك لا نجد كتابا مضى عليه حين من
الدهر الا وهو مملوء بالأغلاط والأخطاء من سائر نواحيه ، نظرا إلى الكشوف الجديدة في
كل الميادين .
ولكن مسالة القرآن الكريم تختلف تمام الاختلاف عن هذه الكلية ! فهو حق وصادق في كل ما
قال ، كما كان في القرون الغابرة . ولم يطرأ على مقاله أي تغير رغم مضي قرون وعصور
طويلة . وهذا في نفسه دليل على أن منبعه عقل جبار يحيط بالأزل وبالأبد علما ، وهو
يعلم سائر الحقائق في صورها النهائية والحقيقية ، ولا يخضع علمه ومعرفته لحواجز
الزمان والمكان والأحوال . ولو كان هذا الكلام صادرا عن بشر محدودي النظر والعلم
لكان الزمان قد أبطله منذ عصور عديدة ، كما يحدث لكل كلام انساني في مستقبله .
هامش
( 1 ) شاعت هذه العقيدة الخرافية كذلك في أوساط العوام وأشباه المتعلمين في شرقنا
العربي ، وان كان تيار المعرفة العامة الآن يقضي على مثل هذه الخرافات ؟ ( المراجع ) .