ان المحور الحقيقي لرسالة القرآن هو السعادة الأخروية ، فهو بذلك لا يدخل في دائرة أي
من علومنا وفنوننا الحديثة . ولكن حيث إنه يخاطب الانسان في حقيقة الأمر ، فهو يمس
كل ما هو متعلق بالإنسان ، وهي مسألة دقيقة ، وموقف جد خطير . . لأن المرء حين يكون
جاهلا ، أو ناقص المعلومات حول مشكلة ما ، ثم يتجرأ ليتكلم عن تلك المشكلة ؟ ولو
اجمالا ؟ فلا بد أن يكبو في حديثه ، وذلك حين يستخدم كلمات أو عبارات لا علاقة لها
بالواقع والحقائق ! .
وعلى سبيل المثال : قال أرسطو استدلالا على أسبقية الرجل على المرأة : ان فم المرأة
يحوي أسنانا أقل عددا من أسنان الرجل ! ! ومن المعروف أن هذا الكلام لا علاقة له بعلم
الأجسام ، بل هو يدل على أن صاحبه جاهل بهذا العلم ، فان عدد الأسنان سواء لدى الرجل
والمرأة . ولكن من المدهش حقا أن القرآن ؟ حتى فيما يمس أكثر العلوم الحديثة من
ناحية أو أخرى ؟ لا يحتوي كلمة ما أثبت العلم فيما بعد ، أنها من صنع رجل جاهل بذلك
الموضوع ، وهذا يوضح صراحة أنه كلام موجود فوق الطبيعة ، وهو على معرفة تامة بكل شئ
على حين لم يكن أحد يعلم شيئا ، وهو يعلم أيضا كل ما يجهله البشر في هذا العصر ، مع
تقدم العلوم . .
وسوف أورد هنا بعض الأمثلة التي تدل صراحة على أن القرآن الكريم يحيط بالحقائق التي
لم تعرف الا في عصرنا هذا ، وان كانت احاطته هذه ضمن إشارات غير مقصودة لذاتها .
ويجب ان أقول ، تمهيدا لهذا البحث : ان مطابقة كلمات القرآن وألفاظه للكشوف الحديثة
مبنية على أن العلم الحديث قد استطاع الكشف عن أسرار الواقعة موضوع البحث ، فتوفرت
لدينا مواد نافعة لتفسير الإشارات القرآنية في ذلك الموضوع . ولو أن دراسة المستقبل
في موضوع ما تبطل واقعة من وقائع العلم الحديث كليا أو جزئيا فليس هذا بضائر مطلقا
صدق القرآن ، بل معناه أن المفسر أخطأ في محاولته لتفسير إشارة مجملة في القرآن ،
وانني لعلى يقين راسخ بان الكشوف المقبلة سوف تكون أكثر ايضاحا لإشارات القرآن ،
وأكثر بيانا لمعانيه الكامنة .
* * *
تقسيم لآيات القرآن
ونستطيع أن نقسم الآيات القرآنية المتعلقة بهذا الجانب إلى نوعين :
الأول : ما عرف عنه الانسان ؟ حتى ذلك العصر ؟ أمورا جانبية وسطحية .
والثاني : ما لم يعرف عنه ذلك الانسان شيئا ، مطلقا .
الإسلام يتحدى — صفحة 141
مساهمون: وحيد الدين خان
ص١٤١