هاشم ، ومنعوا عنهم الطعام ، وحرموا التعامل معهم ، ومضى على هذه المقاطعة والحصار
التاريخي ثلاث سنين ، وهم يأكلون أوراق شجر ( الطلح ) الجبلية المرة ، لسد حاجة البطن
إلى الطعام ، ويروي أحد الصحابة في هذا الحصار أنه حصل مرة على قطعة جافة من
الجلد ، فغسله بالماء ووضعه على النار ، ثم بلله بالماء ثانية وأكله .
وبعد الخروج من هذا الحصار ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل الطائف ، وكانت
تبعد أربعين ميلا عن مكة ، وكان يقطنها الأعيان والأثرياء من ثقيف ، واستخدم هؤلاء
لغة بالغة السوء مع الرسول . وذهب أحدهم يقول متحديا : وهو يمرط ( يمزق ) ثياب الكعبة ،
ان كان الله أرسلك ، وقال الآخر : أما وجد الله أحدا يرسله غيرك . وقال الثالث :
والله لا أكلمك أبدا ، لئن كنت رسولا من الله ، كما تقول ، لأنت أعظم خطرا من أراد
عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك .
ولم يكتف هؤلاء بهذا الاستهزاء ، بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم ، يسبونه ويصيحون به
حتى اجتمع عليه الناس يرمونه بالأحجار ، إلى أن سقط على صخرة مثخنا بالجراح ، وحين
جلس ليستريح من الجراح والعنت ، رموه حتى نهض مبتعدا عنهم ، وهم يتابعونه بالسب
والايذاء والتصفيق . . ولم يزل هذا المشهد حتى أقبل المساء ، وأوى الرسول إلى حائط
لعتبة بن ربيعة ، فجلس في ظل كرمة ، وهو جريح ملطخ بالدماء . وهذا هو الواقع الذي كان
الرسول يذكره للسيدة عائشة في قوله :
لقد لقيت من قومكم ما لقيت ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ( 1 ) .
* * *
وعلى الرغم من هذا الأذى الشديد ، فقد ظل الرسول يدعو إلى الحق . حتى اجتمعت قريش على
أنه لا سبيل إلى التخلص منه الا بالقتل . وبناء على مؤامرة دبروها ، أحاط عدد من
رؤسائهم وشبيبتهم ببيت الرسول ، وفي أيديهم سيوفهم المسلولة ، استعدادا لاغتيال
الرسول صلى الله عليه وسلم . عندما يخرج من بيته لتأدية صلاة الصبح ، ولكنه باذن من
الله ، خرج من البيت دون ان يصاب بأذى ، وهاجر إلى المدينة المنورة .
ثم أعلنت قريش قتالا منظما ضد النبي وأعوانه ، وجروه إلى الحرب ، وورطوه في
هامش
( 1 ) نص هذا الحديث : قالت عائشة : يا رسول الله ، هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد ؟
فقال : لقد لقيت من قومك ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذا عرضت نفسي على ابن
عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم
استفق الا بقرن الثعالب . فرفعت رأسي فإذا انا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها
جبريل ، فناداني فقال : ان الله عز وجل قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد بعث
إليك ملك الجبال . . . الخ ؟ المراجع .