مكانه ، واستمر الخلاف أربعة أيام أو خمسة ، وأوشكت السيوف أن تبرز ، وكاد القوم أن
يتناحروا ، ثم اتفقوا على أن يكون الفيصل في هذه القضية أول من يدخل البيت الحرام
صباح غد ، واليوم التالي شاهدوا أن الانسان الأول الذي دخل البيت كان محمدا ، فنادوه
قائلين : هذا الأمين ، رضينا ( 1 ) .
اننا لا نعرف شخصية في التاريخ الانساني تمتعت بهذا الاجلال والتكريم والتقدير ،
وبهذه السيرة غير العادية ، ثم أصبحت موضع نزاع بعد مضي أربعين سنة من عمرها .
* * *
وعندما نزل عليه الوحي لأول مرة ، وهو في غار حراء ، اعتبره حادثا غريبا لم يعهده من
قبل ، فرجع إلى بيته يرجف فؤاده ، وقص كل ما حدث على زوجه : خديجة التي كانت أكبر منه
سنا ، فقالت : يا أبا القاسم والله لا يخزيك الله أبدا ، انك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ،
وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الدهر .
وكان أبو طالب عم النبي ، قد أبى أن يؤمن ، ولكنه حين علم أن ابنه عليا أسلم ، قال
له : أي بني : ما هذا الدين الذي أنت عليه ؟ فقال : يا أبت ، آمنت بالله ، وبرسول الله ،
صليت معه واتبعته ، فقال أبو طالب : أما انه لم يدعك الا إلى خير فألزمه ( 2 ) .
وعندما جمع الناس لأول مرة بعد النبوة في رحاب جبل الصفا ، سألهم : يا بطون قريش !
أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم ، أكنتم مصدقي ؟ فعلت الأصوات
من كل الحناجر ، وهي تقول : نعم ، ما جربنا عليك كذبا ! .
ان هذا السجل التاريخي الممتاز لحياة الرسول قبل اعلان النبوة ، ليس له مثيل في
العالم ، ولم يسبق ان أحرزه مثله أي شاعر ، أو فيلسوف ، أو مفكر ، أو كاتب ! ! .
* * *
وعندما أعلن محمد ( صلى الله عليه وسلم ) النبوة ، لم يكن صدقه موضع شك ، أو بحث مطلقا
لدى أهل مكة ، فإنهم كانوا على علم تام بحياته الكاملة ، ولذلك لم يرمه أحد بتهمة
الكذب أو الاحتيال ، بل ذهبوا يدعون أنه فقد وعيه ، أو أنه شاعر أو ساحر ، أو أن الجن
استولت على أعصابه ، وما إلى ذلك من الدعاوى التي تحفل بذكرها الكتب التاريخية ، ولكن
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ، باب ما ذكر في الحجر الأسود .
( 2 ) Ideal Prophet , p . 58 . ، وانظر سيرة ابن هشام 1 / 265 .