هذه الكتب لا تشير إلى أية محاولة جرؤ صاحبها على النيل من أمانته وصدقه . بل يسجل
التاريخ انه : ليس بمكة أحد عنده شئ يخشى عليه الا وضعه عنده ، لما يعلم من صدقه
وأمانته ( 1 ) .
وفي السنة الثالثة عشرة من النبوة ، صمم بعض شبان قريش على قتله ، وحاصروا بيته
لاغتياله ، وفي تلك الساعة الخطرة الحرجة قرر الهجرة إلى يثرب ، ولكنه أوصى ابن عمه
( عليا ) أن يرد جميع الأمانات إلى أصحابها في الصباح ! .
وهذا النضر بن الحارث ، وقد كان من أكبر المعارضين للنبي ، وكان يعد من الخبراء
المحنكين بمكة ؟ وقف يوما ، فألقى خطبة في جمع من قريش ، وقال :
يا معشر قريش ، انه ، والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد ، قد كان محمد فيكم
غلاما حدثا ، أرضاكم فيكم ، وأصدقكم حديثا ، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغيه
الشيب ، وجاءكم بما جاءكم به قلتم : ساحر ، لا والله ، ما هو بساحر ، لقد رأينا السحرة
ونفثهم وعقدهم . وقلتم : كاهن ، لا والله ، ما هو بكاهن ، قد رأينا الكهنة وتخالجهم ،
وسمعنا سجعهم . وقلتم : شاعر ، لا والله ، ما هو بشاعر ، قد رأينا الشعر ، وسمعنا أصنافه
كلها ، هزجه ورجزه . وقلتم : مجنون ، لا والله ، ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون ، فما هو
بخنقه ، ولا وسوسته ، ولا تخليطه . يا معشر قريش ، فانظروا في شأنكم ، فإنه ، والله ، لقد نزل
بكم أمر عظيم .
وكان هذا النضر من شياطين قريش ، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وينصب له العداوة ( 2 ) .
وكان أبو لهب عم النبي من ألد أعدائه ، وقال له ذات مرة : يا محمد ، انني لا أقول : انك
كاذب . ، ولكن الأمر الذي تقوم بتبليغه باطل ( 3 ) .
* * *
ان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، كانت عامة لسائر أهل الأرض ، غير مقصورة على
الجزيرة العربية ، ولذلك أرسل كتابات إلى ملوك البلاد القريبة ، وقد تلقى إمبراطور
الروم هرقل كتابا من الرسول ، يدعوه إلى اعتناق الدين الجديد ، فأمر رجاله باحضار
رجل من قوم الرسول في ديوانه ( 4 ) . وكان بعض التجار من قريش يقومون برحلة تجارية في
بلاد .
هامش
( 1 ) سيرة ابن هشام ج 2 ، ص 98 .
( 2 ) المرجع السابق 1 / 319 .
( 3 ) الترمذي .
( 4 ) كان قيصر الروم هرقل حينئذ في بيت المقدس يشكر الله لغلبته على الفرس ، وقد تلقى
هذا الكتاب هناك .