وما عانى النبي كل هذا الا لأجل دعوته ، لقد كان من الممكن أن يعيش حياة أخرى ، تختلف
كل الاختلاف عن الحياة البائسة التي عاشها في سبيل رسالته ، ولقد عرضت عليه ، حين كان
بمكة ، عروض مغرية تكفل له العيش الرخي ، والمجد السني ، فأوفد اليه رؤساء قريش عتبة
بن ربيعة ، الذي جاء ليقول له :
يا ابن أخي ، انك منا ، حيث قد علمت من البسطة في العشيرة ، والمكان في النسب ، وانك قد
أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، فاسمع مني ، أعرض عليك أمورا ، تنظر فيها ،
لعلك تقبل منها بعضها . فقال له : قل يا أبا الوليد أسمع ، قال : يا ابن أخي : ان كنت
انما تريد ، بما جئت به من هذا الامر ، مالا ، جمعنا لك من أموالنا ، حتى تكون أكثرنا
مالا ، وإن كنت تريد به شرفا ، سودناك علينا ، حتى لانقطع أمر دونك ، وإن كنت تريد به
ملكا ، ملكناك علينا : وان كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك ، طلبنا
لك الطب ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل
حتى يداوى منه . حتى إذا فرغ عتبة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال :
أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ ، قال نعم ، قال :
فاستمع مني ، فقال : أفعل . . . فقرأ عليه الآيات الأولى من سورة ( فصلت ) ، فلما وصل إلى
قوله تعالى : ( مثل صاعقة عاد وثمود ) أمسك عتبة على فيه ، وأنشده الرحم ان يكف ( 1 ) .
* * *
وفي المدينة المنورة ، كان النبي صلى الله عليه وسلم رئيسا لدولة المسلمين ، وكان
يتمتع بمساعدين مثاليين ، يبذلون حياتهم لأجله ، ولم يعرف لهم نظراء على مدى التاريخ ،
ولكن الوقائع التاريخية أثبتت أنه ؟ حتى في أخر أيام حياته ، حين أظلت رايته الجزيرة
العربية كلها ؟ بقي رجلا عاديا ، غير ملتفت إلى شهوات الدنيا ومغرياتها ، حتى لحق
بالرفيق الأعلى .
وقد روى سيدنا عمر بن الخطاب أنه دخل حجرة النبي صلى الله عليه وسلم : فإذا هو
مضطجع على رمال حصير ، ليس بينه وبينه فراش ، قد أثر الرمل بجنبه ، متكئا على وسادة
حشوها ليف . . قلت : يا رسول الله أدع الله ، فليوسع على أمتك ، فان فارس والروم قد وسع
عليهم ، وهم لا يعبدون الله . فقال : أو في هذا أنت ، يا ابن الخطاب ؟ أولئك عجلت لهم
طيباتهم في الحياة الدنيا ، وفي رواية ، أما ترضى عن أن تكون لهم الدنيا ، ولنا
الآخرة ( 2 ) .
هامش
( 1 ) سيرة ابن هشام 1 / ؟ 313 314 .
( 2 ) متفق عليه .