ومما تحكى السيدة عائشة انه كان يمر الهلال ، ثم الهلال ، ثم الهلال ثلاثة أهلة في
شهرين ، وما توقد في أبيات الرسول صلى الله عليه وسلم نار ، فسألها عروة بن الزبير :
فما كانت معيشتكم ، يا خالة ؟ قالت : الأسودان : التمر والماء . وقالت : وكان لنا جيران من
الأنصار لهم ربائب يسقوننا من لبنها ، جزاهم الله خيرا . . وقد جاء في حديث آخر : أنها
ذكرت أن آل محمد لم يشبعوا ثلاثة أيام متوالية من طعام بر ، حتى مضى النبي صلى الله
عليه وسلم ، لسبيله ( 1 ) .
* * *
لقد عاش النبي هذه الحياة القاسية ، رغم كونه قادرا ، كل القدرة ، على أن يعيش حياة
النعيم والترف . وعندما انتقل إلى رحمة الله لم يورث أهله شيئا ، لا دراهم ولا دنانير ،
ولا غنما ولا إبلا ، حتى أنه لم يكتب أية وصية . بل إن النبي العظيم ، الذي كان على
معرفة تامة بأن حدود دولته الاسلامية سوف تمتد عابرة إفريقية وآسيا ، حتى تصل إلى
قلب أوروبا ؟ قال : نحن معاشر الأنبياء ، لا نورث ، ما تركنا صدقة .
* * *
ان هذه الوقائع التي أوردناها ، من الايثار ، والاخلاص ، وسمو الأخلاق ، ليست حوادث
استثنائية في حياة الرسول ، وانما هي حياته بأكملها ، بل هي بالأحرى ، صورة مصغرة
وموجزة عن الوقائع التي كانت تحدث في حياته المثالية ، لقد ارتفع بالإنسانية إلى
اسمى قمة تحلم بها ، حتى أنه لو لم يوجد ، لاضطر المؤرخون إلى القول : بأنه لم يوجد
انسان من هذا الطراز ، ولن يوجد في التاريخ .
* * *
فليس غريبا ، مطلقا ، أن يقال : إنه كان نبي الله ، ولكن الغريب أن ينكره أحد منا عنادا
وغرورا .
ونحن عندما نسلم بدعواه يمكننا أن نفسر حياته المعجزة .
أما إذا أنكرنا نبوته ، فسنفقد أي أساس لتفسير منبع أوصافه العجيبة ، التي لم نجد لها
مثيلا في التاريخ . . وقد اعترف البروفسور بوسورث سميث بهذه الحقائق ، حتى أنه
ليدعو البشرية كلها إلى الايمان برسالة النبي :
لقد ادعى محمد لنفسه في آخر حياته نفس ما ادعاه في بداية رسالته . واني لأجدني
مدفوعا .
هامش
( 1 ) الطبقات الكبرى لابن سعد 1 / 400 وما بعدها .