وإنما قلنا إن مثل ذلك لا يجوز ، لأن الله تعالى عاقب من احتال حيلة محظورة
عقوبة شديدة ، حتى مسخ من فعله قردة وخنازير ، فقال تعالى : " واسئلهم عن القرية
التي كانت حاضرة البحر " القصة كان الله تعالى حرم عليهم صيد السمك يوم السبت
فاحتالوا فوضعوا الشباك يوم الجمعة ، فدخل السمك يوم السبت ، وطرحوا الشبك
وأخذوا السمك يوم الأحد ، فقال تعالى : " فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة
خاسئين " .
وقال صلى الله عليه وآله : لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها .
فلما نظر محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة إلى هذا قال : لا ينبغي أن
يتوصل إلى المباح بالمعاصي ، ثم نقض ذلك فقال : لو أن رجلا حضر عند الحاكم
وادعى أن فلانة زوجتي وهو يعلم أنه كاذب وشهد له بذلك شاهدان زورا ، وهما
يعلمان ذلك فحكم الحاكم له بها ، حلت له ظاهرا وباطنا .
وكذلك لو أن رجلا تزوج بامرأة جميلة فرغب فيها أجنبي قبل دخول زوجها بها
فأتى الأجنبي الحاكم فادعاها زوجة وأن زوجها طلقها قبل الدخول بها ، وتزوجت بها ،
وشهد له بذلك شاهدا زور فحكم الحاكم بذلك ، نفذ حكمه ، وحرمت على الأول
ظاهرا وباطنا ، وحلت لهذا المحتال ظاهرا وباطنا ، ونعوذ بالله من مذهب يؤدي إلى
هذا .
فإذا ثبت أن مثل هذا لا يجوز ، وإنما يجوز ما يكون حلالا يتوصل به إلى
حلال ، فالأيمان على ضربين : حيلة تمنع الحنث ، وحيلة تمنع الانعقاد .
فالتي تمنع الحنث على ضربين :
أحدهما : الخلع في النكاح وإزالة الملك في الرقيق فإذا قال لها : إن دخلت
الدار فأنت طالق ثلاثا ، فالحيلة في دخولها أن يخالعها فتبين بذلك ، ثم تدخل الدار
فتنحل اليمين ، ثم يعقد النكاح عليها ، وإذا قال لعبده : إن دخلت الدار فأنت حر ،
فالحيلة أن يبيعه ثم يدخل الدار فينحل اليمين ، ثم يشتريه .
الينابيع الفقهية — صفحة 234
مساهمون: علي أصغر مرواريد
ص٢٣٤