تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 829

مساهمون:

ص٨٢٩
الإيمان مانع أن يلغو العبد مع ساحة الكبرياء . وذلك أنه تارة يفرض اللّه تعالى عدوا للعبد مبغضا له لتقصير من ناحيته وسوء من عمله فمن الجائز بالنظر إلى سعة رحمة اللّه أن يستغفر له ويسترحم إذا كان العبد متذللا غير مستكبر ، وتارة يفرض العبد عدوا للّه محاربا له مستكبرا مستعليا كأرباب الجحود والعناد من المشركين ، والعقل الصريح حاكم بأنه لا ينفعه حينئذ شفاعة بمسألة أو استغفار إلّا أن يتوب ويرجع إلى اللّه وينسلخ عن الاستكبار والعناد ويتلبّس بلباس الذلّة والمسكنة فلا معنى لسؤال الرحمة والمغفرة لمن يأبى عن القبول ، ولا للاستعطاء لمن لا يخضع للأخذ والتناول إلّا الهزؤ بمقام الربوبية واللعب بمقام العبودية وهو غير جائز بضرورة من حكم الفطرة . وقوله :
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
تعليل لوعد إبراهيم واستغفاره لأبيه بأنه تحمّل جفوة أبيه ووعده وعدا حسنا لكونه حليما واستغفر له لكونه أواها ، والأواه هو الكثير التأوه خوفا من ربه وطمعا فيه . قوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ
إلى آخر الآيتين ؛ الآيتان متصلتان بالآيتين قبلهما المسوقتين للنهي عن الاستغفار للمشركين . أما الآية الأولى اعني قوله :
« وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ »
الخ ؛ ففيه تهديد لمؤمنين بالإضلال بعد الهداية إن لم يتقوا ما بين اللّه لهم ان يتقوه ويجتنبوا منه ، وهو بحسب ما ينطبق على المورد ان المشركين أعداء للّه لا يجوز الاستغفار لهم والتودد إليهم فعلى المؤمنين ان يتقوا ذلك وإلّا فهو الضلال بعد الهدى ، وعليك ان تذكر ما قدمناه في تفسير قوله تعالى :
الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ
( المائدة / 3 ) في الجزء الخامس من الكتاب وفي تفسير آيات ولاية المشركين وأهل الكتاب الواقعة في السور المتقدمة . والآية بوجه في معنى قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى