تقدم في قوله :
« فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ »
الخ ؛ وفي الالتفات الذي في قوله :
« وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا »
الخ ؛ أنه رسالة لا تتم إلّا من جهة مخاطبة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم .
قوله تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً
الخ ؛ استثناء من عموم البراءة من المشركين ، والمستثنون هم المشركون الذين لهم عهد لم ينقضوه لا مستقيما ولا غير مستقيم فمن الواجب الوفاء بميثاقهم وإتمام عهدهم إلى مدتهم .
وقد ظهر بذلك أن المراد من إضافة قوله :
« وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً »
إلى قوله :
« لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً »
استيفاء قسمي النقض وهما النقض المستقيم كقتلهم بعض المسلمين ، والنقض غير المستقيم نظير مظاهرتهم بعض أعداء المسلمين عليهم كإمداد مشركي مكة بني بكر على خزاعة بالسلاح ، وكانت بنو بكر في عهد قريش وخزاعة في عهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فحاربوا فأعانت قريش بني بكر على خزاعة ونقضت بذلك عهد حديبية الذي عقدوه بينهم وبين النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وكان ذلك من أسباب فتح مكة سنة ثمان .
وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
في مقام التعليل لوجوب الوفاء بالعهد ما لم ينقضه المعاهد المشرك ، وذلك يجعل احترام العهد وحفظ الميثاق أحد مصاديق التقوى المطلق الذي لا يزال يأمر به القرآن وقد صرح به في نظائر هذا المورد كقوله تعالى :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
( المائدة / 8 ) وقوله :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا ، وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ
( المائدة / 2 ) .
وبذلك يظهر ما في قول بعضهم : إن المراد بالمتقين الذين يتقون نقض العهد من غير سبب ، وذلك أن التقوى بمعنى الورع عن محارم اللّه عامة كالحقيقة الثانية في القرآن فيحتاج إرادة خلافه إلى قرينة صارفة .