أسباب خفية عنك على غفلة منك وعدم تهيؤ لها فإن اللّه هو السميع العليم لا يغفله سبب ولا يعجزه مكر بل ينصرك ويكفيك وهذا هو الذي يثبته قوله في الآية التالية :
« وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ »
.
وقد تقدم فيما أسلفناه من معنى التوكل على اللّه انه ليس اعتمادا عليه سبحانه بإلغاء الأسباب الظاهرية بل سلب الاعتماد القطعي على الأسباب الظاهرية لأن الذي يبدو للإنسان منها بعض يسير منها دون جميعها ، والسبب التام الذي لا يتخلف عن مسببه هو الجميع الذي يحمل إرادته سبحانه .
فالتوكل هو توجيه الثقة والاعتماد إلى اللّه سبحانه الذي بمشيته يدور رحى الأسباب عامة ، ولا ينافيه ان يتوسل المتوكل بما يمكنه التوسل به من الأسباب اللائحة عليه من غير أن يلغي شيئا منها فيركب مطية الجهل .
قوله تعالى :
وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ
الآية ؛ متصلة بما قبلها وهي بمنزلة دفع الدخل ، وذلك ان اللّه سبحانه لما امر نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلم بالجنوح للسلم ان جنحوا له ولم يرض بالخديعة لأنها من الخيانة في حقوق المعاشرة والمواصلة للعامة واللّه لا يحب الخائنين كان امره بالجنوح المذكور مظنة سؤال وهو ان من الجائز ان يكون جنوحهم للسلم خديعة منهم يضلون بها المؤمنين ليغيروا عليهم في شرائط وأحوال مناسبة فأجاب سبحانه بأنا أمرناك بالتوكل فإن أرادوا بذلك ان يخدعوك فإن حسبك اللّه وقد قال تعالى :
« وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ »
.
وهذا مما يدل على أن هناك أسبابا وراء ما ينكشف لنا من الأسباب الطبيعية العادية تجري على ما يوافق صلاح العبد المتوكل إذا خانته الأسباب الطبيعية العادية ولم تساعده على مطلوبه الحق .
وقوله :
« هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ »
بمنزلة الاحتجاج على قوله :
« فَإِنَّ حَسْبَكَ