هذا على ما ذكره القوم أن المراد بالعفو ما يساوق المغفرة ، وفي بعض الروايات الآتية عن الصادق عليه السّلام أن المراد به الوسط وهو أنسب بالآية وأجمع للمعنى من غير شائبة التكرار الذي يلزم من قوله :
« وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ »
على التفسير الأول .
وقوله :
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
والعرف هو ما يعرفه عقلاء المجتمع من السنن والسير الجميلة الجارية بينهم بخلاف ما ينكره المجتمع وينكره العقل الاجتماعي من الأعمال النادرة الشاذة ، ومن المعلوم أن لازم الأمر بمتابعة العرف أن يكون نفس الآمر مؤتمرا بما يأمر به من المتابعة ، ومن ذلك أن يكون نفس أمره بنحو معروف غير منكر فمقتضى قوله :
« وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ »
أن يأمر بكل معروف ، وأن لا يكون نفس الأمر بالمعروف على وجه منكر .
وقوله :
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
أمر آخر بالمداراة معهم ، وهو أقرب طريق وأجمله لإبطال نتائج جهلهم وتقليل فساد أعمالهم فإن في مقابلة الجاهل بما يعادل جهله إغراء له بالجهل والإدامة على الغي والضلال .
قوله تعالى :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
قال الراغب في المفردات : النزغ دخول في أمر لأجل إفساده ، قال : من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي . انتهى ، وقيل : هو الازعاج والإغراء وأكثر ما يكون حال الغضب ، وقيل : هو من الشيطان أدنى الوسوسة ، والمعاني متقاربة ، وأقربها من الآية هو الأوسط لمناسبته الآية السابقة الآمرة بالإعراض عن الجاهلين فإن مماستهم الإنسان بالجهالة نوع مداخلة من الشيطان لإثارة الغضب ، وسوقه إلى جهالة مثله .
فيرجع معنى الآية إلى أنه لو نزغ الشيطان بأعمالهم المبنية على الجهالة وإساءتهم إليك ليسوقك بذلك إلى الغضب والانتقام فاستعذ باللّه إنه سميع عليم ، والآية مع ذلك عامة خوطب بها النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وقصد بها أمته لعصمته .
قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ