مَتِينٌ »
تعليل لمجموع ما في الآيتين ، وفي قوله :
« وَأُمْلِي »
بعد قوله :
« سَنَسْتَدْرِجُهُمْ »
الآية ؛ التفات من التكلم مع الغير إلى التكلم وحده للدلالة على مزيد العناية بتحريمهم من الرحمة الإلهية وإيرادهم مورد الهلكة .
وأيضا الإملاء هو إمهالهم إلى أجل مسمى . فيكون في معنى قوله :
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
( الشورى / 14 ) ، وهذه الكلمة هي قوله لآدم عليه السّلام حين إهباطه إلى الأرض :
وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
( البقرة / 36 ) وهو القضاء الإلهي والقضاء مختص به تعالى لا يشاركه فيه غيره ، وهذا بخلاف الاستدراج الذي هو إيصال النعمة بعد النعمة وتجديدها فإنها نعم إلهية مفاضة بالوسائط من الملائكة والأمر فلهذا السبب جيء في الاستدراج بصيغة المتكلم مع الغير ، وغير ذلك في الإملاء وفي الكيد الذي هو أمر متحصل من الاستدراج والإملاء إلى لفظ المتكلم وحده .
قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
في تركيب الكلام اختلاف شديد بينهم ، والذي يستبق إلى الذهن من السياق أن يكون قوله
« أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا »
كلاما تاما سيق للإنكار والتوبيخ ثم قوله :
« ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ »
الآية كلاما آخر سيق لبيان صدق النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم في دعواه النبوّة ، وهو يشير إلى ما يتفكرون فيه كأنه قيل : أو لم يتفكروا في أنه ما بصاحبهم من جنة الآية ؛ حتى يتبين لهم ذلك ؟ نعم ، ما به من جنة إن هو إلا نذير مبين .
والتعبير عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بصاحبهم للإشارة إلى مادة الاستدلال الفكري فإنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان يصحبهم ويصحبونه طول حياته بينهم فلو كان به شيء من جنة لبان لهم ذلك البتة فهو فيما جاء به نذير لا مجنون ، والجنة بناء نوع من الجنون على ما قيل وإن كان من الجائز أن يكون المراد به الفرد من الجن بناء على ما يزعمونه أنّ المجنون يحلّ فيه بعض الجنّ فيتكلم من فيه وبلسانه .