تفسير الآيات إن شاء اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
قد مر بعض ما يتعلق به من الكلام في قوله تعالى :
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
( الآية / 159 ) من السورة وتختص هذه الآية بأنها لوقوعها في سياق تقسيم الناس إلى ضال ومهتد ، وبيان أن الملاك في ذلك دعاؤه سبحانه بأحسن الأسماء اللائقة بحضرته والإلحاد في أسمائه ، تدل على أن النوع الإنساني يتضمن طائفة قليلة أو كثيرة مهتدية حقيقة إذ الكلام في الاهتداء والضلال الحقيقيين المستندين إلى صنع اللّه ، ومن يهدي اللّه فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ، والاهتداء الحقيقي لا يكون إلا عن هداية حقيقية ، وهي التي للّه سبحانه ، وقد تقدّم في قوله تعالى :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
( الأنعام / 89 ) ، وغيره أن الهداية الحقيقية الإلهية لا تتخلف عن مقتضاها بوجه وتوجب العصمة من الضلال ، كما أن الترديد الواقع في قوله تعالى :
أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى
( يونس / 35 ) . يدل على أن من يهدي إلى الحق يجب أن لا يكون مهتديا بغيره إلا باللّه فافهم ذلك .
وعلى هذا فإسناد الهداية إلى هذه الأمة لا يخلو عن الدلالة عن مصونيتهم من الضلال واعتصامهم باللّه من الزيغ إما بكون جميع هؤلاء المشار إليهم بقوله :
« أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ »
متصفين بهذه العصمة والصيانة كالأنبياء والأوصياء ، وإما بكون بعض هذه الأمّة كذلك وتوصيف الكل بوصف البعض نظير قوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
( الجاثية / 16 ) ، وقوله :
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً
( المائدة / 20 ) ، وقوله :
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
( البقرة / 143 ) ، وإنما المتّصف بهذه المزايا بعضهم دون الجميع .
والمراد بالآية - واللّه أعلم - إنا لا نأمركم بأمر غير واقع أو خارج عن طوق البشر فإنّ ممّن خلقنا أمة متلبسة بالاهتداء الحقيقي هادين بالحقّ لأن اللّه كرّمهم بهدايته الخاصّة .