وقد احتملوا جميع هذه المعاني غير أنّ كلامه تعالى في مواضع مختلفة يذكر فيها دعاء الربّ يؤيد هذا المعنى الأخير كما في الآية السابقة :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
وقوله :
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ
( المؤمن / 60 ) حيث ذكر أولا الدعاء ثم بدله ثانيا من العبادة إيماء إلى اتحادهما ، وقوله :
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ
( الأحقاف / 6 ) ، وقوله :
هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
( المؤمن / 65 ) يريد إخلاص العبادة .
ويؤيده ذيل الآية :
« وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ »
بظاهره فإنه لو كان المراد بالدعاء التسمية أو النداء دون العبادة لكان الأنسب أن يقال : بما كانوا يصفون كما قال في موضع آخر :
سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ
( الأنعام / 139 ) .
فمعنى الآية - واللّه أعلم - وللّه جميع الأسماء التي هي أحسن فاعبدوه وتوجهوا إليه بها ، والتسمية والنداء من لواحق العبادة .
قوله تعالى :
وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ
إلى آخر الآية . اللحد والإلحاد بمعنى واحد وهو التطرف والميل عن الوسط إلى أحد الجانبين ، ومنه لحد القبر لكونه في جانبه بخلاف الضريح الذي في الوسط فقراءة يلحدون بفتح الياء من المجرد ، ويلحدون بضم الياء من باب الإفعال بمعنى واحد ، ونقل عن بعض اللغويين : أنّ اللحد بمعنى الميل إلى جانب ، والإلحاد بمعنى الجدال والمماراة .
وقوله :
سَيُجْزَوْنَ
الآية ؛ بالفصل لأنه بمنزلة الجواب لسؤال مقدر كأنه لما قيل
« وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ »
قيل : إلى م يصير حالهم ؟ فأجيب
« سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ »
وللبحث في الأسماء الحسنى بقايا ستوافيك في كلام مستقل نورده بعد الفراغ عن