وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ( 154 )
بيان :
قوله تعالى :
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ
الآية ؛ العكوف الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم . ذكره الراغب في المفردات ، وقولهم
« اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ »
أي كما لهم آلهة مجعولة .
كان بنو إسرائيل على شريعة جدهم إبراهيم عليه السّلام ، وقد خلا فيهم من الأنبياء إسحاق ويعقوب ويوسف ، وهم على دين التوحيد الذي لا يعبد فيه إلا اللّه سبحانه وحده لا شريك له المتعالي عن أن يكون جسما أو جسمانيا يعرض له شكل أو قدر غير أن بني إسرائيل كما يستفاد من قصصهم كانوا قوما ماديين حسيين يجرون في حياتهم على أصالة الحس ولا يعتنون بما وراء الحس إلا اعتناء تشريفيا من غير أصالة ولا حقيقة ، وقد مكثوا تحت إسارة القبط سنين متطاولة ، وهم يعبدون الأوثان فتأثرت من ذلك أرواحهم وإن كانت العصبية القومية تحفظ لهم دين آبائهم بوجه .
ولذلك كان جلهم لا يتصورون من اللّه سبحانه إلا أنه جسم من الأجسام بل جوهر ألوهي يشاكل الإنسان كما هو الظاهر المستفاد من التوراة الدائرة اليوم ، وكلما كان موسى يقرب الحق من أذهانهم حولوه إلى أشكال وتماثيل يتوهمون له تعالى ، لهذه العلة لما شاهدوا في مسيرهم قوما يعكفون على أصنام لهم استحسنوا مثل ذلك لأنفسهم فسألوا موسى عليه السّلام أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة يعكفون عليها .
فلم يجد موسى عليه السّلام بدا من أن يتنزل في بيان توحيد اللّه سبحانه إلى ما يقارب أفهامهم على قصورها فلامهم أولا على جهلهم بمقام ربهم مع وضوح أن طريق الوثنية طريق باطل هالك