سائر القصص المذكورة في هذه السورة فقد حكي فيها عن لفظ نوح وهود وصالح وغيرهم : يا قوم يا قوم ، وعلى ذلك أجريت هذه القصة فعبر فيها عن بني إسرائيل في بضعة مواضع بلفظ القوم ، وقد عبر عنهم في سورة طه ببني إسرائيل .
وأما قوله لأخيه ثانيا :
« وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ »
فهو أمر له بالإصلاح وأن لا يتبع سبيل أهل الفساد ، وهارون نبي مرسل معصوم لا تصدر عنه المعصية ، ولا يتأتى منه اتباع أهل الفساد في دينهم ، وموسى عليه السّلام أعلم بحال أخيه فليس مراده نهيه عن الكفر والمعصية بل أن لا يتبع في إدارة أمور قومه ما يشير إليه ويستصوبه المفسدون من القوم أيام خلافته ما دام موسى غائبا .
ومن الدليل عليه قوله :
« وَأَصْلِحْ »
فإنه يدل على أن المراد بقوله :
« وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ »
أن يصلح أمرهم ولا يسير فيهم سيرة هي سبيل المفسدين الذي يستحسنونه ويشيرون إليه بذلك .
ومن هنا يتأيد أنه كان في قومه يومئذ جمع من المفسدين يفسدون ويقلبون عليه الأمور ويتربصون به الدوائر فنهى موسى أخاه أن يتبع سبيلهم فيشوشوا عليه الأمر ويكيدوا ويمكروا به فيتفرق جمع بني إسرائيل ويتشتت شملهم بعد تلك المحن والأذايا التي كابدها في إحياء كلمة الاتحاد بينهم .
قوله تعالى :
وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي
الآية ؛ التجلي مطاوعة التجلية من الجلاء بمعنى الظهور ، والدك هو أشد الدق ، وجعله دكا أي مدكوكا والخرور هو السقوط ، والصعقة هي الموت أو الغشية بجمود الحواس وبطلان إدراكها ، والإفاقة الرجوع إلى حال سلامة العقل والحواس يقال : أفاق من غشيته أي رجع إلى حال استقامة الشعور والإدراك .