وَالضَّرَّاءِ »
من ذكر العام بعد الخاص .
يذكر سبحانه أن السنة الإلهية جرت على أنه كلما أرسل نبيا من الأنبياء إلى قرية من القرى - وما يرسلهم إليهم إلا ليهديهم سبيل الرشاد - ابتلاهم بشيء من الشدائد في النفوس والأموال رجاء أن يبعثهم ذلك إلى التضرع إليه سبحانه ليتم بذلك أمر دعوتهم إلى الإيمان باللّه والعمل الصالح .
فالابتلاءات والمحن نعم العون لدعوة الأنبياء فإن الإنسان ما دام على النعمة شغله ذلك عن التوجه إلى من أنعمها عليه واستغنى بها ، وإذا سلب النعمة أحس بالحاجة ، ونزلت عليه الذلة والمسكنة ، وعلاه الجزع ، وهدده الفناء فيبعثه ذلك بحسب الفطرة إلى الالتجاء والتضرع إلى من بيده سد خلته ودفع ذلته ، وهو اللّه سبحانه وإن كان لا يشعر به وإذا نبه عليه كان من المرجو اهتداؤه إلى الحق ، قال تعالى :
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ
( حم السجدة / 51 ) .
قوله تعالى :
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا
إلى آخر الآية ؛ تبديل الشيء شيئا وضع الشيء الثاني مكان الشيء الأول والسيئة والحسنة معناهما ظاهر ، والمراد بهما ما هما كالشدة والرخاء ، والخوف والأمن ، والضراء والسراء كما يدل عليه قوله بعد :
« قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ »
.
وقوله :
حَتَّى عَفَوْا
من العفو وفسر بالكثرة أي حتى كثروا أموالا ونفوسا بعد ما كان اللّه قللهم بالابتلاءات والمحن ، وليس - ببعيد وإن لم يذكروه - أن يكون من العفو بمعنى إمحاء الأثر كقوله :
ربع عفاه الدهر طولا فانمحى * قد كان من طول البلى أن يمسحا
فيكون المراد أنهم محوا بالحسنة التي أوتوها آثار السيئة السابقة وقالوا :
« قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ »
أي أن الإنسان وهو في عالم الطبيعة المتحولة المتغيرة من حكم موقفه أن