دار أو ضياع وعقار ، وأما من تمكن في أرض واستوطنها وأطال المقام بها وتعلق بها بكل ما يقع به التعلق في الحياة المادية فإن تركها له متعسر كالمتعذر وخاصة ترك الأمة القاطنة في أرض أرضها وما اقتنته فيها طل مقامها . وقد ترك هؤلاء وهم أمة عريقة في الأرض دارهم وما فيها ، في أيسر زمان أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين .
وقد كانوا يزعمون أن شعيبا ومن تبعه منهم سيحشرون فخاب ظنهم وانقلبت الدائرة عليهم فكانوا هم الخاسرين فمكروا ومكر اللّه واللّه خير الماكرين .
وإلى هذا يشير تعالى حيث ذكر أولا قولهم : إن متبعي شعيب خاسرون ، ثم ذكر نزول العذاب وأبهم الذين أخذتهم الرجفة فقال :
« فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ »
ولم يقل : فأخذت الذين كفروا الرجفة ، ثم صرح في قوله :
« الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً »
الآية أن الحكم الإلهي والهلاك والخسران كان لشعيب ومن تبعه على الذين كذبوه من قومه فكانوا هم الخاسرين الممكور بهم ، وهم يزعمون خلافه .
قوله تعالى :
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ
إلى آخر الآية . ظاهر السياق أنه إنما تولى بعد نزول العذاب عليهم وهلاكهم ، وأن الخطاب خطاب اعتبار ، وقوله :
« فَكَيْفَ آسى »
الخ ؛ هو من الأسى أي كيف أحزن ، والباقي ظاهر « 1 » .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 94 إلى 102 ]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 95 ) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 96 ) أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ( 97 ) أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 98 )
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ( 99 ) أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 100 ) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 ) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ( 102 )
هامش
( 1 ) . الأعراف 94 - 102 : كلام في سنة الامتحان واختبار الأمم بالبأساء والضراء ؛ ان اللّه عز اسمه ليس سببا في عرض الأسباب .