فقوله :
« قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا »
الخ ؛ مسوق لبيان ما خص اللّه سبحانه به المؤمنين من عباده من الكرامة والمزية ، وإذ قد اشتركوا في نعمه في الدنيا فهي خالصة لهم في الآخرة ، ولازم ذلك أن يكون قوله :
« فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »
متعلقا بقوله :
« آمَنُوا »
وقوله :
« يَوْمَ الْقِيامَةِ »
متعلقا بما تعلق به قوله :
« لِلَّذِينَ آمَنُوا »
وهو قولنا كائنة أو ما يقرب منه ، « وخالصة » حال عن الضمير المؤنث وقدمت على قوله :
« يَوْمَ الْقِيامَةِ »
لتكون فاصلة بين قوله :
« فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »
و
« يَوْمَ الْقِيامَةِ »
والمعنى : قل هي للمؤمنين يوم القيامة وهي خالصة لهم لا يشاركهم فيها غيرهم كما شاركوهم في الدنيا فمن آمن في الدنيا ملك نعمها يوم القيامة .
وقد امتن اللّه تعالى في ذيل الآية على أهل العلم بتفصيل البيان إذ قال :
« كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ »
.
قوله تعالى :
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
إلى آخر الآية ، قد تقدم البحث المستوفى عن مفردات الآية فيما مر ، وأن الفواحش هي المعاصي البالغة قبحا وشناعة كالزنا واللواط ونحوهما ، والإثم هو الذنب الذي يستعقب انحطاط الإنسان في حياته وذلة وهوانا وسقوطا كشرب الخمر الذي يستعقب للإنسان تهلكة في جاهه وماله وعرضه ونفسه ونحو ذلك ، والبغي هو طلب الإنسان ما ليس له بحق كأنواع الظلم والتعدي على الناس والاستيلاء غير المشروع عليهم ، ووصفه بغير الحق من قبيل التوصيف باللازم نظير التقييد الذي في قوله :
« ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً »
.
وكان إلقاء الخطاب بإباحة الزينة وطيبات الرزق داعيا لنفس السامع إلى أن يحصل على ما حرمه اللّه فألقى اللّه سبحانه في هذه الآية جماع القول في ذلك ، ولا يشذ عما ذكره شيء من المحرمات الدينية ، وهي تنقسم بوجه إلى قسمين : ما يرجع إلى الأفعال وهي الثلاثة الأول ، وما يرجع إلى الأقوال والاعتقادات وهو الأخيران ، والقسم الأول منه ما يرجع إلى الناس وهو البغي بغير الحق ، ومنه غيره وهو إما ذو قبح وشناعة فالفاحشة ، وإما غيره فالإثم ،