تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
والإتيان به كما ينبغي تاما غير ناقص فيؤول معنى إقامة الوجه عند العبادة إلى الاشتغال بالعبادة والانقطاع عن غيرها . فيفيد قوله :
« وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ »
إذا انضم إليه قوله :
« وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ »
وجوب الانقطاع للعبادة عن غيرها وللّه سبحانه عن غيره كما عرفت ومن الغير الذي يجب الانقطاع عنه إلى اللّه سبحانه نفس العبادة ، وإنما العبادة توجه لا متوجه إليها ، والتوجه إليها يبطل معنى كونها عبادة وتوجها إلى اللّه فيجب أن لا يذكر الناسك في نسكه إلا ربه وينسى غيره . قوله تعالى :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ، فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ
إلى آخر الآية . ظاهر السياق أن يكون قوله :
« فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ »
حالا من فاعل
« تَعُودُونَ »
ويكون هو الوجه المشترك الذي شبه فيه العود بالبدء ، والمعنى تعودون فريقين كما بدأكم فريقين نظير قوله تعالى :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
( الأنعام / 94 ) ، والمعنى لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة فرادى . فهذا هو الظاهر المستفاد من الكلام ، وأما كون
« فَرِيقاً هَدى »
الخ ؛ حالا لا يعدو عالمه ، ووجه الشبه بين البدء والعود أمرا آخر غير مذكور ككونهم فرادى بدءا وعودا أو كون الخلق الأول والثاني جميعا من تراب أو كون البعث مثل الإنشاء في قدرة اللّه إلى غير ذلك مما احتملوه فوجوه بعيدة عن دلالة الآية ، وأي فائدة في حذف وجه الشبه من الذكر وذكر ما لا حاجة إليه مع وقوع اللبس ، وسيجيء إن شاء اللّه توضيح ذلك . وظاهر البدء في قوله :
« بَدَأَكُمْ »
أول خلقة الإنسان الدنيوية لا مجموع الحياة الدنيوية قبال الحياة الأخروية فيكون البدء هو الحياة الدنيا والعود هو الحياة الأخرى فيكون المعنى كنتم في الدنيا مخلوقين له هدى فريقا منكم وحقت الضلالة على فريق آخر كذلك تعودون كما