إلى آخر الآية ؛ رجوع من الخطاب العام لبني آدم إلى خطاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم خاصة ليتوسل به إلى انتزاع خطابات خاصة يوجهها إلى أمته كما جرى نظيره من الالتفات في الخطاب المتقدم يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا حيث قال :
« ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ »
لنظير الغرض .
قوله تعالى :
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
لما نفت الآية السابقة أن يأمر اللّه سبحانه بالفحشاء وذكرت أن ذلك افتراء عليه وقول بغير علم لعدم انتهائه إلى وحي ما أوحي به اللّه بادرت هذه الآية إلى ذكر ما أمر به وهو لا محالة أمر يقابل ما استشنعته الآية السابقة وعدته فحشاء لما فيه من بلوغ القبح والإفراط والتفريط فقال :
« قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ »
الخ .
والقسط على ما ذكره الراغب هو النصيب بالعدل كالنصف والنصفة قال :
« لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ »
« وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ »
والقسط هو أن يأخذ قسط غيره ، وذلك جور والإقساط أن يعطي قسط غيره ، وذلك إنصاف ولذلك قيل : قسط الرجل إذا جار وأقسط إذا عدل قال :
« وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً »
وقال
« وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ »
. انتهى كلامه .
فالمراد : قل أمر ربي بالنصيب العدل ولزوم وسط الاعتدال في الأمور كلها وأن تجتنبوا جانبي الإفراط والتفريط فأقسطوا وأنيبوا وأقروا نفوسكم عند كل معبد تعبدون اللّه فيه وادعوه بإخلاص الدين له من غير أن تشركوا بعبادته صنما أو أحدا من آبائكم وكبرائكم بالتقليد لهم وهذا هو القسط في العبادة .
فقوله :
« وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ »
معطوف ظاهرا على مقول القول لأن معنى أمر ربي بالقسط : أقسطوا ، فيكون التقدير : أقسطوا وأقيموا ، الخ ؛ والوجه هو ما يتوجه به إلى الشيء ، وهو في حال تمام النفس الإنسانية ، وإقامتها عندها إيجاد القيام بالأمر لها أي إيفاؤه