تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
قوله
قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
( ص / 75 ) ، ولذلك ربما قيل : إن « لا » زائدة جيء بها للتأكيد كما في قوله :
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
( الحديد / 29 ) . والظاهر أن « منع » مضمن نظير معنى حمل أو دعا ، والمعنى : ما حملك أو ما دعاك على أن لا تسجد مانعا لك . وقوله :
« قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ »
يحكي عمّا أجاب به لعنه اللّه ، وهو أول معصيته وأول معصية عصي بها اللّه سبحانه فإن جميع المعاصي ترجع بحسب التحليل إلى دعوى الإنسيّة ومنازعة اللّه سبحانه في كبريائه ، وله رداء الكبرياء لا شريك له فيه ، فليس لعبد مخلوق أن يعتمد على ذاته ويقول : أنا قبال الإنّيّة الإلهية التي عنت له الوجود ، وخضعت له الرقاب ، وخشعت له الأصوات ، وذل له كل شيء . ولو لم تنجذب نفسه إلى نفسه ، ولم يحتبس نظره في مشاهدة إنيّته لم يتقيد باستقلال ذاته ، وشاهد الإله القيوم فوقه فذلت له إنّيّته ذلة تنفي عنه كل استقلال وكبرياء فخضع للأمر الإلهي ، وطاوعته نفسه في الايتمار والامتثال ، ولم تنجذب نفسه إلى ما كان يتراءى من كونه خيرا منه لأنه من النار وهو من الطين بل انجذبت نفسه إلى الأمر الصادر عن مصدر العظمة والكبرياء ومنبع كل جمال وجلال . وكان من الحري إذا سمع قوله :
« ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ »
أن يأتي بما يطابقه من الجواب كأن يقول : منعني أني خير منه لكنه أتى بقوله :
« أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ »
ليظهر به الإنّيّة ، ويفيد الثبات والاستمرار ، ويستفاد منه أيضا أن المانع له من السجدة ما يري لنفسه من الخيرية فقوله :
« أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ »
أظهر وآكد في إفادة التكبر . ومن هنا يظهر أن هذا التكبر هو التكبر على اللّه سبحانه دون التكبر على آدم . ثم إنه في قوله :
« أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ »
استدل على كونه خيرا من