قوله :
« وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ »
الآية .
وقوله :
« وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ »
الخطاب فيه لعامّة الآدميين وهو خطاب امتناني كما مر نظيره في الآية السابقة لأن المضمون هو المضمون وإنما يختلفان بالإجمال والتفصيل .
وعلى هذا فالانتقال في الخطاب من العموم إلى الخصوص أعني قوله :
« ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ »
بعد قوله :
« وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ »
يفيد بيان حقيقتين : الأولى : أن السجدة كانت من الملائكة لجميع بني آدم أي للنشأة الإنسانية وإن كان آدم عليه السّلام هو القبلة المنصوبة للسجدة فهو عليه السّلام في أمر السجدة كان مثالا يمثل به الإنسانية نائبا مناب أفراد الإنسان على كثرتهم لا مسجودا له من جهة شخصه كالكعبة المجعولة قبلة يتوجه إليها في العبادات ، وتمثل بها ناحية الربوبية .
قوله تعالى :
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
أخبر تعالى عن سجود الملائكة جميعا كما يصرح به في قوله :
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
. ( الحجر / 30 ) ، واستثنى منهم إبليس وقد علل عدم ائتماره بالأمر في موضع آخر بقوله :
كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
( الكهف / 50 ) ، وقد وصف الملائكة بمثل قوله :
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
( الأنبياء / 27 ) ، وهو بظاهره يدل على أنه من غير نوع الملائكة .
ولهذا وقع الخلاف بينهم في توجيه هذا الاستثناء : أهو استثناء متصل بتغليب الملائكة لكونهم أكثر وأشرف أو أنه استثناء منفصل وإنما أمر بأمر على حدة غير الأمر المتوجه إلى جمع الملائكة وإن كان ظاهر قوله :
« ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ »
أن الأمر لم يكن إلا واحدا وهو الذي وجهه اللّه إلى الملائكة .
قوله تعالى :
قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
يريد ما منعك أن تسجد كما وقع في سورة ص من