شرعها للجميع إجمالا فصلها حيث اقتضت تفصيلها لموسى عليه السّلام أولا فيما أنزل عليه من الكتاب ، وللنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ثانيا فيما أنزله عليه من كتاب مبارك فقال تعالى :
« ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ »
الخ .
فمعنى الآية : أنا بعد ما شرعنا من إجمال الشرائع الدينية آتينا موسى الكتاب تماما تتم به نقيصة من أحسن منهم من حيث الشرع الإجمالي وتفصيلا يفصل به كل شيء من فروع هذه الشرائع الإجمالية مما يحتاج إليه بنو إسرائيل وهدى لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون . هذا هو الذي يعطيه سياق الآية المتصل بسياق الآيات الثلاث السابقة .
فقوله :
« ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ »
رجوع إلى السياق السابق الذي قبل قوله :
« قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ »
الآيات ؛ وهو خطاب اللّه لنبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلم بصيغة المتكلم مع الغير ، وقد أفيد بالتأخير المستفاد من لفظة
« ثُمَّ »
أن هذا الكتاب إنما انزل ليكون تماما وتفصيلا للإجمال الذي في تلك الشرائع العامة الكلية .
وقوله :
تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ
يبيّن أن إنزال الكتاب لتتم به نقيصة الذين أحسنوا من بني إسرائيل في العمل بهذه الشرائع الكلية العامة ، وقد قال تعالى في قصة موسى بعد نزول الكتاب :
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها
( الأعراف / 145 ) وقال :
وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
( البقرة / 58 ) وعلى هذا فالموصول في قوله :
« عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ »
يفيد الجنس .
وقوله :
« وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ »
أي مما يحتاج إليه بنو إسرائيل أو ينتفع به غيرهم ممن بعدهم ، وهدى يهتدى به ورحمة ينعمون بها . وقوله :
« لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ »
فيه إشارة إلى أن بني إسرائيل كانوا يتثاقلون أو يستنكفون عن الإيمان بلقاء اللّه واليوم الآخر ، ومما يؤيده أن التوراة الحاضرة التي يذكر القرآن أنها محرفة لا يوجد فيها ذكر من البعث يوم