تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الينابيع الفقهية — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
" ولا تعتدوا " إلى ما حرم عليكم ، والاعتداء مجاوزة حد الحكمة إلى ما نهى عنه الحكيم وزجر عنه أما بالعقل أو بالسمع ، ثم قال تعالى : وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ، والرزق هو ما للحي الانتفاع به وليس لغيره منعه منه . فإن قيل : إذا كان الرزق لا يكون إلا حلالا فلم قال الله تعالى : حلالا طيبا ؟ قلنا : ذكر ذلك على وجه التأكيد كقوله تعالى : وكلم الله موسى تكليما والطيب قد يكون مستلذا ، وقد أطلق في موضع آخر فقال : ومما رزقناهم ينفقون . ثم اعلم أن الطيب يقع على الحلال كقوله تعالى : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ، ويقع على الطاهر كقوله تعالى : فتيمموا صعيدا طيبا ، ويقع على ما لا أذى فيه كما يقال : زمان طيب ومكان طيب للذي لا حر فيه ولا برد ، ويقع على ما يستطاب من المأكول يقال : هذا طعام طيب لما تستطيبه النفس ولا تنفر منه . فصل : ثم قال تعالى : اليوم أحل لكم الطيبات ، أي ما تستطيبونه ولا تستخبثونه فردهم إلى عادتهم ، ولا يمنع أن يقال : المراد به ما لا أذى فيه من المباح الذي ليس بمحرم فكأنهم لما سألوه عن الحلال فقال هو ما لا يستحق المدح والذم بتناوله ، وذلك عام في جميع المباحات سواء علمت كذلك عقلا أو شرعا ، ومن اعتبر العرف والعادة اعتبر عرف أهل الترف والغنى والمكنة الذين كانوا في القرى والأمصار على عهد النبي ص حال الاختيار دون من كان من أهل البوادي من جفاة العرب ، فإذا قيل : عادتهم مختلفة ؟ قلنا : اعتبرنا العام الشائع دون الشاذ النادر . وقوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ، مبتدأ وخبر ، وذلك يخص عند أكثر أصحابنا بالحبوب لأنها المباحة من أطعمة أهل الكتاب ، فأما ذبائحهم وكل مائع يباشرونه بأيديهم فإنه ينجس ولا يحل استعماله ، وتذكيتهم لا تصح ، لأن من شرط صحتها التسمية لقوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ، وهؤلاء لا يذكرون اسم الله عليه ، وإذا ذكروا قصدوا بذلك اسم من أبد شرع موسى أو عيسى ع ، أو اتخذ عيسى
الينابيع الفقهية — صفحة 123 | علي أصغر مرواريد