تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الينابيع الفقهية — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
بعد آخر ولم يشهدهما في مكان واحد لم يقع أيضا طلاق ، فإن طلق بمحضر رجلين مسلمين ولم يقل لهما اشهدا وقع طلاقه وجاز لهما أن يشهدا بذلك ، وشهادة النساء لا تقبل في الطلاق ، ومتى فقدا لم يقع الطلاق . فإن قيل : ما الدليل على صحة جميع ما ذكرتم قلنا : الحجة لنا بعد الاجماع قوله : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ، إلى قوله : وأشهدوا ذوي عدل منكم ، فأمر تعالى فيه بالإشهاد وظاهر الأمر في عرف الشرع كما قدمنا يقتضي الوجوب فليس لهم أن يحملوا ذلك هاهنا على الاستحباب لفقد الدليل عليه ، ولا يخلو قوله " وأشهدوا " من أن يكون راجعا إلى الطلاق كأنه قال : إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأشهدوا أو أن يكون راجعا إلى الفرقة أو إلى الرجعة التي عبر تعالى عنها بالإمساك . ولا يجوز أن يرجع ذلك إلى الفرقة التي ليست هاهنا شيئا يوقع ويفعل وإنما هو العدول عن الرجعة ، وإنما يكون مفارقا لها بأن لا يراجعها فتبين بالطلاق السابق على أن أحدا لا يوجب في هذه الفرقة الشهادة وظاهر الأمر في الشرع يقتضي الوجوب ، ولا يجوز أن يرجع الأمر بالشهادة إلى الرجعة لأن أحدا لا يوجب فيها الإشهاد وإنما هو يستحب فيها فثبت أن الأمر بالإشهاد راجع إلى الطلاق . فإن قيل : كيف يرجع إلى الطلاق مع بعد ما بينهما ؟ قلنا : إذا لم يلق إلا بالطلاق وجب عوده إليه مع قرب وبعد ، فإن قيل : أي فرق بينكم في حملكم هذا الشرط على الطلاق وهو بعيد منه في اللفظ وهو مجاز وعدول عن الحقيقة ، وبيننا إذا حملنا الأمر بالإشهاد هاهنا على الاستحباب ليعود إلى الرجعة القريبة منه في ترتيب الكلام ؟ قلنا : حمل ما ظاهره الوجوب على الاستحباب خروج عن عرف الشرع بلا دليل ، ورد الشرط إلى ما بعد عنه إذا لم يلق بما قرب ليس بعدول عن الحقيقة ولا استعمال التوسع والتجوز في القرآن والخطاب كله مملوء من ذلك ، قال الله تعالى : إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه ، والتسبيح وهو متأخر في اللفظ