مجزي به ، فاصنع خيرا صنع الله بنا وبك خيرا ، وأعلمني الصدق فيما صنعت ،
والسلام .
قال : وقدم على علي أبو مريم القرشي المكي ، كان صديقا له ، فلما رآه
قال : ما أقدمك يا أبا مريم ؟ قال : والله ما جئت في حاجة ، ولكن عهدي بك
قديم ، فأحببت أن أراك ، ولو اجتمع أهل الأرض عليك لأقمتم على الطريق .
فقال : يا أبا مريم ، والله إني لصاحبك الذي تعلم ، ولكن منيت بشرار خلق
الله إلا من رحم الله ، يدعونني فآبي عليهم ثم أجيبهم ، فيتفرقون عني ،
والدنيا محنة الصالحين ، جعلنا الله وإياك منهم ، ولولا ما سمعت من حبيبي
أنه يقول لضاق ذرعي غير هذا الضيق ، سمعته يقول : الجهد والبلاء أسرع
إلى من أحب الله وأحبني من السيل إلى مجاريه .
وكتب أبو الأسود الدئلي ، وكان خليفة عبد الله بن عباس بالبصرة ، إلى
علي يعلمه أن عبد الله أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم ، فكتب إليه
يأمره بردها ، فامتنع ، فكتب يقسم له بالله لتردنها ، فلما ردها عبد الله بن
عباس ، أو رد أكثرها ، كتب إليه علي : أما بعد ، فإن المرء يسره درك
ما لم يكن ليفوته ، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فما أتاك من الدنيا فلا تكثر
به فرحا ، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعا ، واجعل همك لما بعد الموت ،
والسلام . فكان ابن عباس يقول : ما اتعظت بكلام قط اتعاظي بكلام أمير
المؤمنين .
وقال كميل بن زياد : وأخذ بيدي علي ، فأخرجني إلى ناحية الجبانة ،
فلما أصحر تنفس الصعداء ثلاثا ، ثم قال : يا كميل ، إن القلوب أوعية
فخيرها أوعاها ، احفظ عني ما أقول لك : الناس ثلاثة : عالم رباني ، ومتعلم
على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم
يلجأوا إلى ركن وثيق . يا كميل ! العلم خير من المال ، العلم يحرسك ، وأنت
تحرس المال ، والعلم حاكم ، والمال محكوم عليه ، مات خزان المال وهم
تاريخ اليعقوبي — صفحة 205
مساهمون: اليعقوبي
ص٢٠٥