وعنك هذا ، ما أنت قائلة لو أن رسول الله عارضك بأطراف الفلوات قد هتكت
حجابا قد ضربه عليك ؟ فنادى مناديها : ألا إن أم المؤمنين مقيمة ، فأقيموا .
وأتاها طلحة والزبير وأزالاها عن رأيها ، وحملاها على الخروج ، فسارت
إلى البصرة مخالفة على علي ، ومعها طلحة والزبير في خلق عظيم ، وقدم يعلى بن
منية بمال من مال اليمن قيل : إن مبلغه أربعمائة ألف دينار ، فأخذه منه طلحة
والزبير ، فاستعانا به ، وسارا نحو البصرة .
ومر القوم في الليل بماء يقال له : مر الحوأب ، فنبحتهم كلابه ، فقالت
عائشة : ما هذا الماء ؟ قال بعضهم : ماء الحوأب . قالت : إنا لله وإنا إليه
راجعون ! ردوني ردوني ! هذا الماء الذي قال لي رسول الله : لا تكوني التي
تنبحك كلاب الحوأب . فأتاها القوم بأربعين رجلا ، فأقسموا بالله أنه ليس
بماء الحوأب .
وقدم القوم البصرة ، وعامل علي عثمان بن حنيف ، فمنعها ومن
معها من الدخول ، فقالا : لم نأت لحرب ، وإنما جئنا لصلح ، فكتبوا
بينهم وبينه كتابا أنهم لا يحدثون حدثا إلى قدوم علي ، وأن كل فريق
منهم آمن من صاحبه ، ثم افترقوا ، فوضع عثمان بن حنيف السلاح ، فنتفوا
لحيته وشاربه وأشفار عينيه وحاجبيه ، وانتهبوا بيت المال ، وأخذوا ما فيه ،
فلما حضر وقت الصلاة تنازع طلحة والزبير ، وجذب كل واحد منهما صاحبه ،
حتى فات وقت الصلاة ، وصاح الناس : الصلاة الصلاة يا أصحاب محمد !
فقالت عائشة : يصلي محمد بن طلحة يوما وعبد الله بن الزبير يوما ، فاصطلحوا
على ذلك . فلما أتى عليا الخبر سار إلى البصرة ، واستخلف على المدينة أبا
حسن بن عبد عمرو ، أحد بني النجار ، وخرج من المدينة ، ومعه أربعمائة
راكب من أصحاب رسول الله ، فلما صاروا إلى أرض أسد وطئ تبعه منهم
ستمائة ، ثم صار إلى ذي قار ، ووجه الحسن وعمار بن ياسر ، فاستنفر أهل
الكوفة ، وعامله يومئذ على الكوفة أبو موسى الأشعري ، فخذل الناس عنه ،
تاريخ اليعقوبي — صفحة 181
مساهمون: اليعقوبي
ص١٨١