هاشم حدادا تحملها شداد . قال : ويلك ! ومثلي يعير بالجبن ؟ هلم إلي الرمح .
وأخذ الرمح وحمل على أصحاب علي ، فقال علي : أفرجوا للشيخ ، انه
محرج ، فشق الميمنة والمسيرة والقلب ثم رجع فقال لابنه : لا أم لك ! أيفعل
هذا جبان ؟ وانصرف ، فاجتاز بالأحنف بن قيس ، فقال : ما رأيت مثل هذا ،
أتى بحرمة رسول الله يسوقها ، فهتك عنها حجاب رسول الله ، وستر حرمته في
بيته ، ثم أسلمها وانصرف . ألا رجل يأخذ لله منه ! فاتبعه عمرو بن جرموز
التميمي ، فقتله بموضع يقال له وادي السباع ، وكانت الحرب أربع ساعات
من النهار ، فروى بعضهم أنه قتل في ذلك اليوم نيف وثلاثون ألفا .
ثم نادى منادي علي : ألا لا يجهز على جريح ، ولا يتبع مول ، ولا يطعن
في وجه مدبر ، ومن ألقى السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن .
ثم آمن الأسود والأحمر ، ووجه ابن عباس إلى عائشة يأمرها بالرجوع ، فلما
دخل عليها ابن عباس قالت : أخطأت السنة يا ابن عباس مرتين ، دخلت بيتي
بغير إذني ، وجلست على متاعي بغير أمري . قال : نحن علمنا إياك السنة ،
إن هذا ليس ببيتك ، بيتك الذي خلفك رسول الله به ، وأمرك القرآن أن تقري
فيه . وجرى بينهما كلام موضعه في غير هذا من الكتاب .
وأتاها علي ، وهي في دار عبد الله بن خلف الخزاعي وابنه المعروف بطلحة
الطلحات ، فقال : إيها يا حميراء ! ألم تنتهي عن هذا المسير ؟ فقالت : يا ابن
أبي طالب ! قدرت فأسجح ! فقال : أخرجي إلى المدينة ، وارجعي إلى بيتك
الذي أمرك رسول الله أن تقري فيه . قالت : أفعل . فوجه معها سبعين امرأة
من عبد القيس في ثياب الرجال ، حتى وافوا بها المدينة ، وأعطى الناس بالسوية
لم يفضل أحدا على أحد ، وأعطى الموالي كما أعطى الصلبية ، وقيل له في ذلك ،
فقال : قرأت ما بين الدفتين ، فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضل
هذا ، وأخذ عودا من الأرض ، فوضعه بين إصبعيه .
ولما فرغ من حرب أصحاب الجمل ، وجه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب
تاريخ اليعقوبي — صفحة 183
مساهمون: اليعقوبي
ص١٨٣