وتزوج الحيفاء بنت مضاض الجرهمية ، فعاد إليهم إبراهيم من الحول ، فوقف
ببيت إسماعيل ، فلم يجده ، ووجد امرأته ، فقال : كيف حالكم ؟ قالت :
بخير ! قال : هكذا فليكن ! أين زوجك ؟ قالت : ليس بحاضر ، انزل !
قال : لا يمكنني . قالت : فأعطني رأسك أقبله ! ففعل ذلك ، وقال : إذا جاء
زوجك فأقرئيه السلام ، وقولي له : تمسك بعتبة بابك . فلما انصرف جاء
إسماعيل ، فأخبرته امرأته بخبر إبراهيم ، فوقع على موضع قدمه يقبلها .
ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم أن يبني الكعبة ، ويرفع قواعدها ، ويؤذن في
الناس بالحج ، ويريهم مناسكهم ، فبنى إبراهيم وإسماعيل القواعد حتى انتهى
إلى موضع الحجر ، فنادى إبراهيم أبو قبيس : ان لك عندي وديعة ! فأعطاه
الحجر ، فوضعه ، وأذن إبراهيم في الناس بالحج ، فلما كان يوم التروية
قال له جبريل : ترو من الماء ، فسميت التروية ، ثم أتى منى ، فقال له : بت
بها ، ثم أتى عرفات ، فبنى بها مسجدا بحجارة بيض ، ثم صلى به الظهر والعصر ،
ثم عمد به إلى عرفات ، فقال له : هذه عرفات فاعرفها ، فسميت عرفات .
ثم أفاض به من عرفات ، فلما حاذى المأزمين قال له : ازدلف ، فسميت
المزدلفة ، وقال له : أجمع الصلاتين ، فسميت جمع ، وصار إلى المشعر ،
فنام عليه ، فأمره الله أن يذبح ابنه ، فالرواية تختلف في إسماعيل وإسحاق ،
فيقول قوم : إنه إسماعيل لأنه الذي وضع داره وبيته وإسحاق بالشأم ، ويقول
قوم : إنه إسحاق لأنه أخرجه وأخرج أمه معه ، وكان يومئذ غلاما ، وإسماعيل
رجل قد ولد له .
وقد كثرت الروايات في هذا وهذا ، واختلف الناس فيهما ، فلما أصبح
إبراهيم صار إلى منى وقال للغلام : زورني بالبيت ، وقال لابنه : إن الله أمرني
أن أذبحك ! فقال : يا أبت افعل ما تؤمر ! فأخذ السكين ، وأضجعه على
جمرة العقبة ، وطرح تحته قرطان حمار ، ثم وضع الشفرة على حلقه ، وحول
وجهه عنه ، فقلب جبريل الشفرة ، فنظر إبراهيم ، فإذا الشفرة مقلوبة ، ففعل
تاريخ اليعقوبي — صفحة 27
مساهمون: اليعقوبي
ص٢٧