شرح
والأوّل : كما لو كان يريد أحدهما خياطة ثوبه ويريد الآخر بناء جداره ، فيخيط الثاني ثوباً للأوّل ويبني الأوّل جداراً للثاني ، فالصادر من كل منهما ما هو ملحوظ فيه الخصوصية بالنسبة للمال - أي للمنفعة - لا بما أنه مال ، ولم يلحظ كل منهما مالية المال بما هو مال ، بل هي مبادلة بين عملين ، فنسبة المعاملة هذه إلى كل منهما واحدة ، فالخياط لا مؤجر ولا مستأجر ، والبناء لا مؤجر ولا مستأجر .
والثاني : لا تكون المبادلة بين عملين كما مثلنا به أولاً ، بل تكون بين منفعة عينين ، كما لو بادل منفعة داره الواقعة في أطراف المدينة وقرب المعامل ( جمع معمل ومصنع ) بمنفعة دار داخل المدينة أو قرب الحرم ومركز المدينة مثلاً ، فهي مبادلة بين منفعة عينين ، كل منهما له
نظر إلى خصوصية المنفعة ، الأوّل يريد أن يكون قرب الحرم ، والثاني يريد أن يكون قرب معمله .
والثالث : لا تكون المبادلة لا بين منفعة العملين كما في الأوّل ، ولا بين منفعة العينين كما في الثاني ، بل تكون بين منفعة عمل ومنفعة عين كما هو في محل الكلام في مسألتنا هذه ، فإن منفعة عمله في قبال منفعة الأرض مدة معينة ، وكل منهما له نظر إلى خصوصية المال ، فليس في كل من هذه الثلاثة أحدهما مؤجراً والآخر مستأجراً ، بل هي معاملة مستقلة خارجة عن الإجارة ، وصحيحة بمقتضى القواعد والنصوص .
ثمّ إنّه كان على الماتن ( قدس سره ) أن ينبه على أن هذه المعاملة - إجارة كانت أو معاملة مستقلة - لابدّ فيها من أن يكون العمل الصادر من العامل المعمّر للأرض والذي هو عوض منفعة الأرض في المدة المعلومة معلوماً هل هو غرس الشجر أو الزرع واصلاح الأرض أو أي شيء آخر ، بحيث تكون المعاملة خارجة عن كونها غررية ، وإلاّ فتكون باطلة إجارة كانت أو معاملة مستقلة ، لأن مبنى المعاملات عند العقلاء على التحفظ على اُصول الأموال والتبديل في أنواعها ، وهي إنما تكون مع عدم الجهل الموجب للغرر ، وإلاّ فلا تكون مشمولة لأدلة النفوذ والإمضاء . ولعل هذه المعلومية كانت مفروضة في كلامه ( قدس سره ) .