شرح
كونه ممنوعاً شرعاً المعدود بمنزلة الممتنع عقلاً ، ليس للمؤجر قدرة على أن يسلم العمل المستأجر عليه للمستأجر وهو شرط في صحة الإجارة .
وفيه : أن القدرة على التسليم لم تكن شرطاً بعنوانها ، بل باعتبار أن ما لا يقدر على تسليمه لا يكون مملوكاً ، وشيئاً فشيئاً يتلف ، ولا ينتزع منه عنوان الملكية ، فلذا لا تصح الإجارة فيه لأن عدم القدرة على التسليم تكويناً يوجب سلب الملكية عن هذا المال ، فلا يكون هذا المال مالاً ليصح تمليكه بالإجارة ، فإنها تمليك المنفعة ، والمنفعة مال وهذا ليس بمال . وأما المنع الشرعي فلا يوجب سلب الملكية عن هذا المال ، فإن المنفعة القائمة بالعين مملوكة للمالك وإن كان يحرم عليه تسليم ذلك ، وهو غير قادر على التسليم شرعاً ، إلاّ أنه لا ينافي الملكية لما ذكرنا ، فالممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً بالنسبة إلى التسليم لا بالنسبة إلى الملكية ، فلا ينافي المنع الشرعي ولا يوجب انتفاء الملكية ، بل الملكية موجودة ، ومن هنا لو غصبها غاصب وانتفع بها كما لو حمل على الدابة خمراً ضمن لصاحب الدابة اُجرة المثل ، فلا ينافي الامتناع الشرعي الملكية ، بخلاف عدم القدرة تكويناً فإنها منافية للملكية ( 1 ) @ .
هامش
كون أكل المال في مقابلة أكلاً للمال بالباطل ، ولا فرق في كون ذلك أكلاً للمال بالباطل بين أكل المال مقابل العمل المحرم الذي لا يمكن تسليمه ، أو بين المنفعة المحرمة للأعيان التي لا يمكن تسليمها ، فليس كلامه خاصاً بالأعمال المحرمة .
وثانياً : أن الكنس ليس كالعمل المحرم الذي هو قتل الإنسان عمداً ظلماً ، ولا كمنفعة العين المحرمة كاحراز الخمر في الدار أو بيعه في الدكان ، بل الكنس - وهو العمل المستأجر عليه - ليس محرماً ، وإنما المحرم المكث بمقداره في المسجد للحائض ، والمكث مقدمة للعمل لا نفس العمل ، وحرمة المقدمة لا تسري إلى ذي المقدمة وهي الكنس - فالكنس مباح ومملوك لا حرام .
( 1 ) وبعبارة اُخرى : عدم القدرة التكوينية على التسليم تنافي الملكية ، فلذا لا تصح الإجارة مع عدم القدرة على التسليم تكويناً ، لأن الإجارة متوقفة على ملكية المنفعة ، وهو هنا غير مالك لها .
وأما عدم القدرة الشرعية على التسليم فلا تنافي الملكية ، ولا توجب سلب الملكية عن هذا المال ، فلا يوجد هنا مانع بعنوان عدم القدرة على التسليم راجع إلى عدم الملكية ، فلا يكون هذا وجهاً لبطلان الإجارة ، لأن الإجارة متوقفة على ملكية المنفعة ، وهنا هو مالك للمنفعة المحرمة على حدّ ملكيته للمنفعة المحللة ، وإن كان لا يمكن تسليمها شرعاً . والشاهد على الملكية أنّه لو غصبها منه غاصب فأحرز فيها الخمر أو حمل عليها الخمر أو باع فيها