شرح
المسكين مأخوذ من المسكنة ، والمسكنة هي مطلق الذلة - في قبال العزة - كما في قوله تعالى : ( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ) ( 1 ) فإن اليهود وهم أصحاب موسى الذين قالوا له ( يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَام وَحِد فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الاَْرْضُ ) ( 2 ) وإن كانوا أغنياء هم مساكين أذلاء ضعفاء . وكذا في قوله تعالى : ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ ) ( 3 ) أي ضعفاء أذلاء ، وليس من المعلوم أنهم كانوا فقراء ، فالمسكين لغة هو الذليل . نعم ، قد يطلق المسكين على الفقير باعتبار ذله عند أبناء الدنيا من جهة عدم المال ، ولذا كان من الصعب على طغاة قريش الإيمان برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) باعتبار أنه بنظرهم ذليلاً لفقره كما حكاه سبحانه عنهم بقوله : ( وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُل مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم ) ( 4 ) كما اطلق المسكين على الفقير في قوله تعالى : ( فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ ) ( 5 ) وقوله : ( فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) ( 6 ) ولا شك في عدم اختصاصه بالسائل ، فاحتمال اختصاص المسكين بالمحتاج إلى المال الذي يسأل ساقط جزماً .
وعليه فالفقير معناه ومفهومه المحتاج للمال ، والمسكين معناه ومفهومه الذليل ، وهما مفهومان متغايران ، وقد يجتمعان كما لو كان انسان مجمعاً لهذين العنوانين أي محتاج للمال وذليل أيضاً ، فهما مفهومان متغايران لا معنى لجعلهما صنفاً واحداً كما صنعه المحقق ( قدس سره ) .
وأما الصحيحتان اللتان فرقتا بين الفقير والمسكين بأن الأوّل هو المحتاج الذي لا يسأل والثاني هو المحتاج الذي يسأل .
فالاُولى صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما ( عليهما السلام ) : « أنّه سأله عن الفقير والمسكين ؟ فقال : الفقير الذي لا يسأل ، والمسكين الذي هو أجهد منه الذي يسأل » ( 7 ) .
ولا شك أنه ( عليه السلام ) ليس في صدد بيان مفهوم كل منهما لغة بل ولا عرفاً لينافي ما ذكرناه من معناهما ، وهل وجد في الروايات من يسأل الإمام ( عليه السلام ) عن المعنى اللغوي ؟ ! بل السؤال عن المراد منهما في
هامش
( 1 ) _ و 2 ) البقرة 2 : 61 .
( 2 )
( 3 ) الكهف 18 : 79 .
( 4 ) الزخرف 43 : 31 .
( 5 ) المائدة 5 : 89 .
( 6 ) المجادلة 58 : 4 .
( 7 ) الوسائل ج 9 : 210 باب 1 من أبواب المستحقين للزكاة ح 2 .